هل حمت أهراءات القمح بيروت من كارثة أكبر؟

بقلم ياسمين شعبان

بعد ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، لا تزال أهراءات القمح تقف، رغم ما أصابها من دمار وانهيارات جزئية، كواحدة من أبرز الشواهد على الكارثة التي غيّرت وجه العاصمة. وبينما يعتبرها كثيرون رمزًا لذاكرة الضحايا، يطرح آخرون سؤالًا هندسيًا لا يزال حاضرًا: هل ساهمت الأهراءات فعلًا في حماية بيروت من دمار أكبر؟ وماذا كان سيحدث لو لم تكن موجودة؟ وفي حديث خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، قدّم المهندس المعماري مصطفى نصيف قراءة هندسية للدور الذي أدّته الأهراءات لحظة الانفجار، موضحًا حدود تأثيرها، وأسباب صمود أجزاء منها، ورؤيته لمستقبل هذا المعلم.

وأوضح نصيف أن أهراءات القمح لعبت بالفعل دورًا في حماية المنطقة الواقعة خلفها مباشرة، كونها شكّلت كتلة خرسانية ضخمة اعترضت جزءًا من موجة الانفجار وامتصّت قسمًا من طاقتها، ما خفّف من قوة العصف التي وصلت إلى الأبنية الواقعة خلفها مباشرة. لكنه شدد على أن هذا الدور يجب أن يُقرأ من منظور هندسي دقيق، موضحًا أنه لا يمكن القول إن الأهراءات حمت كامل الجهة الغربية من بيروت، لأن تأثيرها كان محصورًا بالمناطق الواقعة خلفها مباشرة، فيما كان يضعف تدريجيًا كلما ازدادت المسافة عنها.

وأضاف أن موقع الأهراءات بين مركز الانفجار والأحياء المجاورة، إلى جانب تصميمها الهندسي الفريد المؤلف من أسطوانات خرسانية متلاصقة، كان العامل الأساسي الذي جعلها تتلقى الصدمة الأولى والأعنف. ولفت إلى أن هذا الموقع جعلها بمنزلة حاجز إنشائي اعترض جزءًا من موجة الانفجار قبل وصولها إلى المناطق الواقعة خلفها، الأمر الذي أسهم في الحد من شدة العصف ضمن نطاق معين.

وحول ما كان يمكن أن يحدث لو لم تكن الأهراءات موجودة أصلًا، أوضح نصيف أن بعض المنشآت والمناطق الواقعة مباشرة خلفها كانت ستتعرض على الأرجح لضغط أكبر وموجة انفجار أشد، إلا أنه استبعد المبالغة في تصوير هذا السيناريو. وقال إن الانفجار كان من الضخامة بحيث انتشرت موجة العصف حول الأهراءات وفوقها، ووصل تأثيرها إلى معظم أنحاء بيروت، وبالتالي فإن غياب الأهراءات كان سيؤدي على الأرجح إلى زيادة الأضرار في نطاق محدد خلفها، وليس إلى مضاعفة حجم الدمار في العاصمة بأكملها.

وفي تفسيره لصمود أجزاء من الأهراءات رغم قوة الانفجار، أشار نصيف إلى أن المنشأ يتكوّن من مجموعة من الأسطوانات الخرسانية المسلحة والمتلاصقة، وهو تصميم هندسي يمنح المبنى قدرة عالية على مقاومة الأحمال الاستثنائية. وأوضح أن الشكل الأسطواني يساعد على توزيع القوى حول كامل محيط الأسطوانة بدل تركيزها في زوايا محددة، فيما يؤدي ترابط الأسطوانات مع بعضها إلى تعزيز التماسك الإنشائي، وهو ما ساهم في بقاء أجزاء من الأهراءات قائمة رغم حجم الدمار الهائل الذي أصابها.

وفي المقابل، أكد أن الانهيارات الجزئية التي شهدتها الأهراءات خلال السنوات الماضية كانت متوقعة من الناحية الهندسية، لأن الانفجار ألحق بها أضرارًا بنيوية جسيمة، تمثلت في تشقق الجدران الخرسانية، وتضرر الروابط بين الخلايا، وميلان عدد من الأسطوانات، فضلًا عن تحرك أجزاء من الأساسات. وأشار إلى أن هذه الأضرار أفقدت المبنى استقراره الأصلي، ما جعل انهيار بعض الأجزاء مع مرور الوقت أمرًا طبيعيًا ومتوقعًا.

وعن مستقبل الأهراءات، رأى نصيف أنها لم تعد مجرد مبنى متضرر أو منشأة لتخزين القمح، بل تحولت إلى شاهد حي على انفجار الرابع من آب، وعلى ضحاياه، وعلى حجم المأساة التي عاشها اللبنانيون. واعتبر أن أي قرار بشأنها يجب أن يوازن بين مقتضيات السلامة العامة وواجب الحفاظ على الذاكرة الوطنية.

وختم بالتأكيد أن الحل الأمثل يتمثل في إجراء تقييم إنشائي شامل ودقيق للأجزاء المتبقية، وتدعيم ما يمكن الحفاظ عليه، وعزل الأجزاء التي تشكل خطرًا على السلامة العامة، ثم دمج الموقع ضمن نصب تذكاري أو متحف ومساحة عامة تحفظ ذاكرة الضحايا والأحداث، من دون تعريض حياة المواطنين للخطر، معتبرًا أن الحفاظ على الأهراءات ليس مجرد قرار هندسي، بل مسؤولية وطنية وإنسانية تجاه واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في تاريخ لبنان الحديث.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top