
بقلم الياس عيسى الياس
في البيت الذي كبرتُ فيه، وفي كثير من بيوت منطقتنا، لم تكن اللغة مجرد كتاب ندرسه أو علامات نجمعها في نهاية العام. كانت الفرنسية تحديداً جزءاً من طريقة عيشنا؛ مفتاحاً نفتح به الأبواب لنضمن مستقبل أبنائنا، وحضوراً يتسلل إلى جلساتنا العائلية اليومية.
لكن الأمور اليوم تتغير أمام أعيننا بهدوء وبلا ضجيج. أراقب أطفالي وأبناء أصدقائي حولي، فأكتشف أن الفرنسية بدأت تتراجع لتصبح محصورة داخل جدران المدرسة؛ لغةً للواجبات الثقيلة، والإملاء، والاختبارات المدرسية، بينما تتسلل الإنجليزية بعفوية لتصبح لغة اللعب والحديث العفوي والتسلية.
تظهر المفارقة الأكبر في الملعب. هناك، في المدارس التي طالما حرصت على أن تكون الفرنسية لغة التواصل داخل الصف، يخرج الأطفال فور سماع الجرس. وما إن يبتعدوا عن أعين المعلمين، حتى يتوزعوا في حلقات ويتحدثوا بإنجليزية سلسة ومتدفقة.
تختصر هذه اللحظة العفوية القصة كلها: أضحت الفرنسية لغة الواجب المدرسي، بينما أصبحت الإنجليزية لغة الحديث الحر، والتعبير عن الذات، والتواصل مع العالم. فالمدرسة تستطيع أن تفرض على الطفل اللغة التي يتكلمها داخل الصف، لكنها لا تملك سلطة على اللغة التي يختارها في الفسحة.
ولم تكن هذه المشاهدات مجرد ملاحظات عابرة بالنسبة إلي، بل تجسدت واقعاً حياً داخل بيتي. أقول ذلك لا من موقع باحث يجمع الأرقام، بل من موقع أب يشاهد ما يجري كل يوم على الشاشات التي بين أيدي أطفاله.
أراقب ابنتي وأتساءل دائماً عن الأفضل لها، وقد اخترتُ، مثل كثيرين غيري، أن أنقلها إلى مدرسة تعتمد الإنجليزية لغةً أساسية للتعليم. لم يكن هذا القرار تخلّياً عن ماضينا، بل استجابة عملية للواقع؛ فالأب حين يختار مدرسة لابنته، لا يختار لغة درس فقط، بل يختار نوع العالم الذي يتوقع أن تعيش فيه غداً.
هذا لا يعني أن الفرنسية ماتت، فهي لا تزال حاضرة ولها مكانتها، لكن وظيفتها هي التي تبدلت. فالطفل لا يجلس ليقرر أي لغة يريد؛ هو يذهب ببساطة إلى اللغة التي يجدها حوله، في اللعبة والشاشة والمحادثة والمحتوى الذي يحبه.
وقدرُ الفرنسية، بالنسبة إلى بعض الأطفال، أن أصبحت لغةً يتعلمونها التزاماً لا رغبة، بينما أصبحت الإنجليزية لغةً يعيشون بها شغفهم. فاللغات لا تعيش بجمالها أو بتاريخها وحدهما، بل بمقدار ما يجد الناس فيها مجالاً حياً لاستخدامها.
وسط هذا التنافس بين لغتين أجنبيتين، يبقى هناك سؤال أقل حضوراً في النقاش: أين العربية من كل هذا؟
كانت العربية دائماً هي أصلنا، ولسان مشاعرنا، ودفء بيوتنا. لكن المشكلة تبدأ حين تصبح العربية خارج مساحات الحياة اليومية التي يصنع فيها الطفل اهتماماته؛ فلا يجدها في محركات البحث، ولا في تفاصيل ألعابه الرقمية، ولا في منصات الترفيه والمحتوى الذي يتابعه شغفاً.
والمسألة هنا لا تحل بالبكاء على الماضي، ولا بالخطابات العاطفية؛ فاللغة لا تحمى بالقوة ولا بالقوانين. لا يمكنك أن تطالب طفلاً بأن يحب لغة ما، إذا كانت كل الأشياء التي تحرك شغفه وتفتح له أبواب المعرفة تجري بلغات أخرى.
فالسؤال الحقيقي ليس: أي لغة أفضل؟ بل: أي لغة أعطيناها مساحة أكبر في حياة الطفل؟ فاللغة التي نضعها في الكتاب واللعبة والهاتف تتسلل إلى فكره وبحثه؛ واللغة التي يحاكي بها أصدقاءه وتصنع مستقبله المهني، هي التي تصبح لسانه الطبيعي.
هناك فرق كبير بين لغة نلتقطها لننجح في الامتحان، ولغة نعيش بها ونرى بها العالم. الصف يخبرنا بما تريده المؤسسة من الطفل، أما الفسحة فتكشف لنا ما أصبح عليه عالم الطفل فعلاً.
الفرنسية في الصف، والإنجليزية في الفسحة. أما العربية، فلا ينبغي أن ننتظر جرساً آخر كي نسأل أين هي.
