
بقلم إحسان الطبش
بعد واحد وعشرين عاماً على اغتيال الصحافي والكاتب سمير قصير، لا تزال المساحة التي أسّسها غيابه مفتوحة أمام صحافيين جدد يكتبون، يبحثون، يصوّرون، ويسألون عن قضايا لا تزال حاضرة في لبنان والعالم العربي. وفي متحف سرسق، لم يكن يوم السبت 19 أيلول 2026 موعداً عادياً لطلاب الصحافة، بل تجربة وضعتهم للمرة الأولى أمام أعمال صحافيين متأهلين إلى المرحلة النهائية من جائزة سمير قصير لحرية الصحافة، ومنحتهم دوراً مباشراً في تقييمها واختيار الفائز بجائزة الطلاب.
الجائزة التي ينظمها الاتحاد الأوروبي بالشراكة مع مؤسسة سمير قصير، تدخل عامها الحادي والعشرين، بعدما أُطلقت للمرة الأولى عام 2006، بعد أشهر من اغتيال سمير قصير في 2 حزيران 2005. وتقول المؤسسة إن إنشاءها جاء في إطار مواصلة العمل من أجل حرية الصحافة وتشجيع المواهب الصحافية الجديدة، فيما تطورت الجائزة على مدى السنوات لتشمل ثلاث فئات رئيسية هي مقال الرأي، والتحقيق الاستقصائي، والتقرير الإخباري السمعي البصري، وأضيفت إليها جائزة الطلاب عام 2020.
هذا العام، لم يكن الطلاب مجرد متابعين لعملية التحكيم، بل أصبحوا جزءاً منها. فقد شاركت خمس طالبات من قسم الإعلام في كلية العلوم الإنسانية في جامعة بيروت العربية في لجنة تحكيم “جائزة الطلاب”، وهن الخريجتان إحسان الطبش وريما شاتيلا، والطالبات في السنة النهائية لين شريدي، وليا الترك، ونازك عصفور، وذلك بحضور عميدة الكلية البروفسورة صديقة لاشين، ورئيسة قسم الإعلام الدكتورة إيمان عليوان، والأستاذة المساعدة في قسم الإعلام الدكتورة علا جابر.
وجاءت مشاركة طالبات جامعة بيروت العربية إلى جانب طلاب من جامعات لبنانية أخرى، ضمن مبادرة تهدف إلى تعزيز الصلة بين الصحافة والوسط الأكاديمي، وإعطاء طلاب الإعلام فرصة للاطلاع على أعمال صحافية حقيقية، ومناقشتها وتقييمها من موقع مختلف، قبل المشاركة في التصويت على العمل الفائز.
وشهد اللقاء حضور المدير التنفيذي لمؤسسة سمير قصير أيمن مهنا، الذي تولى التقديم وإدارة الحوار، إلى جانب الصحافية والباحثة في المؤسسة وداد جربوع. وبدأت التجربة بالتعرّف إلى الأعمال التسعة التي وصلت إلى المرحلة النهائية، موزعة على ثلاث فئات، قبل أن ينتقل الطلاب إلى نقاش مباشر حول القصص الصحافية وأساليب إعدادها والموضوعات التي اختارها أصحابها.
في فئة مقالات الرأي، حضرت ثلاثة أعمال حملت قضايا مختلفة من فلسطين وسوريا. قدّم أحمد الأغا من فلسطين مقال “الخيمة”، فيما قدّمت فاطمة أحمد من سوريا “عناقيد الكراهية.. حصاد الجرح”، وطرحت مناهل السهوي من سوريا موضوع “جدل الاختلاط والتحرش في سوريا: حين تختزل المشكلة بوجود النساء”. وبين هذه العناوين، بدت القضايا المطروحة امتداداً لأسئلة اجتماعية وإنسانية وسياسية تعيشها المنطقة، من آثار النزاعات إلى واقع المرأة والمجتمع.
أما التحقيقات الاستقصائية، فكانت أكثر التصاقاً بقضايا النزاع والعنف والحقوق. جمع التحقيق الأول مصعب الياسين ومحمد بسيكي من سوريا، وحمل عنوان “الموت المستمر: هكذا تفتك الألغام الروسية بأجساد السوريين وأراضيهم المنسية”. وقدّمت مارية السامرائي من العراق تحقيق “لا تشرّبن مي قبل الطلعة… رحلة البحث عن حمامات للنساء في العراق”، فيما تناول علي الإبراهيم وميس قات من سوريا في تحقيقهما “أطفال سوريا المسروقون.. كيف حوّل أبناء المعتقلين إلى رهائن بين أجهزة الأمن ودور الرعاية”.
وفي فئة التقارير الإخبارية السمعية البصرية، عرض جعفر عبد الكريم من لبنان تقرير “معتقلة سورية سابقة تعود إلى سجن 215 الملقب بفرع الموت لأول مرة منذ سقوط نظام الأسد”، فيما حمل عمل أنطوني بركات من لبنان عنوان “سجنا رومية”. أما فتحية السيسي من مصر، فقدّمت تقريراً بعنوان “كيف تتحدى رسوم دعاء العدل الكاريكاتورية الوضع القائم في مصر؟”.
تنوّعت الموضوعات، لكن الجامع بينها كان ثقل القضايا التي اختار أصحابها الاقتراب منها. فلسطين وسوريا والعراق ومصر ولبنان حضرت في الأعمال المقدمة، كما حضرت ملفات الحرب والاعتقال والألغام والنساء وحقوقهن، والفساد والعدالة والسجون، وغيرها من القضايا التي تتطلب من الصحافي قدرة على البحث والسؤال ومواجهة موضوعات قد لا تكون سهلة في مجتمعات تعيش أصلاً تحت وطأة أزمات متتالية.
ولعل ما يميز تجربة “جائزة الطلاب” أن هذه الأعمال لم تبقَ أمام طلاب الإعلام بوصفها نماذج جاهزة يدرسونها في الجامعة، بل تحولت إلى مادة للنقاش والتقييم. فقد أتيح لهم أن يطرحوا أسئلتهم على أصحاب الأعمال، وأن يتعرفوا إلى تجاربهم في العمل الصحافي، وكيفية بناء القصة، واختيار الزاوية، والوصول إلى المعلومات، والتعامل مع موضوعات شديدة الحساسية.
وهنا تحديداً كانت قيمة التجربة بالنسبة إلى الطلاب. فالجلوس أمام صحافيين لديهم تجارب مهنية، ومناقشة أعمالهم وتقييمها، يمنح الطالب مساحة نادرة ليتجاوز موقع المتلقي إلى موقع الناقد والمشارك في صناعة القرار. والأهم أن الصحافيين المشاركين أظهروا انفتاحاً على أسئلة الطلاب وملاحظاتهم، ولم تكن الخبرة المهنية حاجزاً أمام الاستماع إلى رأي طالب لا يزال في الجامعة أو خريج بدأ خطواته الأولى في المهنة.
في زمن قد يصعب فيه أحياناً أن يشعر الصحافي الشاب بأن صوته مسموع أمام أصحاب الخبرة الطويلة، كانت هذه المساحة مختلفة. فالطلاب لم يدخلوا القاعة ليصغوا فقط إلى أسماء لديها سنوات من العمل، بل دخلوا ليقولوا أيضاً ماذا رأوا في هذه الأعمال، وما الذي أقنعهم، وما الأسئلة التي أثارتها لديهم. وهذه التجربة بحد ذاتها تحمل قيمة تعليمية ومهنية، لأنها تضع الطالب أمام معيار مختلف عن العلامة الجامعية، وتجعله يتعامل مع العمل الصحافي باعتباره مادة قابلة للنقاش والتقييم والمساءلة.
كما أن مضمون الأعمال التسعة أظهر تنوعاً لافتاً في القضايا التي تشغل الصحافة في العالم العربي، ولا سيما في بلاد الشام التي ما زالت تعاني من آثار النزاعات والحروب. ومن الألغام التي تواصل حصد الأرواح، إلى المعتقلين والسجون، وأبناء المعتقلين، والنساء، والتمييز والتحرش، لم يتردد المشاركون في الاقتراب من ملفات حساسة، وهو ما يجعل تجربة الطلاب في تقييم هذه الأعمال أكثر ارتباطاً بواقع المهنة نفسها.
وبعد انتهاء النقاشات داخل القاعة، خرج الأساتذة والدكاترة والمشاركون إلى خارجها، قبل استكمال المرحلة الأخيرة من العملية، وهي التصويت. شارك الطلاب في التصويت عبر البريد الإلكتروني، وظهرت نتيجة العملية مباشرة للمشاركين في التصويت، على أن يبقى إعلان الفائز رسمياً يوم الاثنين 21 أيلول خلال حفل تقديم جائزة سمير قصير لحرية الصحافة في قصر سرسق، عند الساعة الخامسة والنصف مساءً.
لكن قيمة هذا اليوم لا ترتبط فقط باسم الفائز الذي سيُعلن بعد يومين. فالمشهد الأهم كان في أن طلاباً ما زالوا في بداية طريقهم المهني حصلوا على فرصة لتقييم أعمال صحافيين يعملون في الميدان، ومناقشتهم، والاستماع إلى تجاربهم، ثم المشاركة في اختيار عمل يستحق أن يحمل اسم “جائزة الطلاب”.
منذ اغتيال سمير قصير عام 2005، استمرت المؤسسة التي تحمل اسمه في العمل، وسُجلت رسمياً عام 2006، فيما انطلقت الجائزة في العام نفسه. وعلى مدى أكثر من عقدين، تحولت الجائزة إلى مساحة تلتقي فيها أجيال مختلفة من الصحافيين، وتُطرح فيها قضايا تتصل بحرية التعبير وحقوق الإنسان والحكم الرشيد ومكافحة الفساد والتنمية الديمقراطية والمشاركة المواطنية.
وبالنسبة إلى الطلاب الذين جلسوا هذه المرة في موقع المحكّمين، كانت التجربة أبعد من نشاط جامعي عابر. كانت فرصة للدخول إلى جانب من جوانب المهنة من باب مختلف، ولرؤية كيف يمكن للصحافة أن تفتح ملفات ثقيلة، وأن تعطي قضايا الناس مساحة، وأن تضع الصحافي نفسه أمام مسؤولية السؤال والبحث والتوثيق.
أما بالنسبة إليّ، كخريجة حديثة من قسم الإعلام في جامعة بيروت العربية، فكان الوقوف في هذه المساحة مختلفاً أيضاً. أن أنتقل من مقاعد الدراسة إلى موقع أشارك فيه في تقييم أعمال صحافية، إلى جانب زميلات ما زلن في الجامعة، وأن أجلس أمام صحافيين أصحاب تجارب مهنية، كان تجربة تحمل مسؤولية بقدر ما تحمل من فرصة. والأهم أن هذه التجربة ذكّرتني بأن دراسة الصحافة لا تنتهي عند التخرج، وأن المهنة نفسها تبدأ حين يصبح السؤال مسؤولية، والرأي مبنياً على معرفة، والتقييم جزءاً من احترام العمل الصحافي.
وفي متحف سرسق، بين تسعة أعمال وثلاث فئات وخمس طالبات من جامعة بيروت العربية وطلاب من جامعات أخرى، لم تكن المسألة مجرد اختيار اسم فائز. كان المشهد أقرب إلى لقاء بين جيلين من الصحافة، جيل يملك سنوات من التجربة، وجيل يتهيأ لدخول المهنة، وبينهما مساحة للحوار والتقييم والتعلم. وهذه ربما واحدة من أكثر الرسائل أهمية في “جائزة الطلاب”: أن الصحافة لا تُورّث، بل تُناقش وتُختبر وتتعلم من جيل إلى آخر.
