
بقلم الياس عيسى الياس
الساعة السابعة وخمس دقائق مساءً، الخميس الماضي. شريط أحمر يقطع برنامجاً حوارياً على الشاشة المعلّقة في زاوية المقهى المحاذي لساحة التلفي زغرتا: عقوبات أميركية جديدة. أبو جورج يرفع عينيه عن سبحته للحظةواحدة، يضحك بتهكّم، ثم يعود إلى عدّ حباتها: “صارت واشنطن بدّها تعلّمنا كيف نختار زعمائنا؟!”.
هذه الجملة، التي لم تستغرق أكثر من ثلاث ثوانٍ، تختصر سؤالاً ظل معلقاً منذ تلك اللحظة: هل يمكن لقرار صادر عن “أوفاك” في وزارة الخزانة الأميركية أن يهزّ فعلياً مكانة رئيس تيار المردة في بيئته، أو ينجح في عزله شعبياً؟
من يعرف طبيعة زغرتا والشمال يدرك تماماً أن الرهان على السقوط الشعبي لفرنجية بسبب ضغط خارجي هو رهان واهم. تاريخ هذه المنطقة يثبت أن الشعور بالاستهداف من الخارج يولد رد فعل عكسي تماماً، فيتحول الشارع إلى الالتفاف أكثر حول زعامته التقليدية.
الثالث من أيلول 2004، الساعة الحادية عشرة صباحاً تقريباً: مؤتمر صحفي عاصف يهاجم فيه وزير الداخلية آنذاك، سليمان فرنجية، نداءالمطارنة الموارنة والبطريرك نصر الله بطرس صفير. خلال ساعات، غلت المقاهي والبيوت في زغرتا؛ انقسمت الآراء، ودخل سلاح حزب الله والوجود السوري على خط السجال المحموم، وساور القلق كثيرين من عواقب الصدام المباشر والمكشوف مع بكركي.
لكن الشارع الزغرتاوي حسم أمره بسرعة البرق؛ بادر الشباب إلى تعليق لافتات عفوية على الشرفات وفي الساحات حملت عبارة واحدة اختصرت المعركة: “أنت البطرك يا سليمان”. هذا العصب العصي على الانكسار تبلور وتجذر بشكل أعمق بعد الانسحاب السوري، وتحديداً في الحادي عشرمن حزيران 2006؛ يومها، في مهرجان بحيرة بنشعي الشهير الذي أطلق فيه فرنجية “تيار المردة” بحلّته السياسية الجديدة، شُلّت الحركة تماماً عندالساعة الرابعة عصراً، وقطعت زحمة السير الخانقة كل الطرق المؤدية إلى البحيرة لساعات، لتؤكد الحشود أمام شاشات التلفزة أن زعامة بنشعي خرجت من زلزال عام 2005 أكثر تجذراً وتحصيناً في أرضها.
هذا الإرث من “العناد والتحدي” يشرح تماماً لماذا تبدو القواعد الشعبية عصية على القرارات الدولية. فإذا كان الخلاف مع مرجعية روحية وتاريخية بوزن بكركي لم يكسر هذه الزعامة، بل خرجت منه أقوى، فكيف لعقوبات أميركية أن تفعل ذلك؟ وهو تماماً ما حصل مع جبران باسيل عام 2020، حين تحولت العقوبات في الخطاب البرتقالي إلى “مظلومية” و”وسام شرف” شد عصب المحازبين بدلاً من إضعافهم.
بالتأكيد، الجانب المالي للعقوبات مختلف، وتكمن خطورته في توقيته المتزامن مع فرض عقوبات على نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله، محمود قماطي. الخبراء الماليون يعرفون أن الأزمة الحقيقية ليست في تجميد الأرصدة المباشرة، بل في “العقوبات الثانوية”. هذه الآلية تجعل المصارف والمؤسسات الدولية تتجنب أي معاملة، ولو غير مباشرة، مع الأسماء المدرجة خوفاً من النظام المالي العالمي، ما يعقد الحركة السياسية الخارجية لأي زعيم.
ومع ذلك، يظل عصب فرنجية في ناسه وأرضه محمياً ومحصناً. لكن الإنكفاء الفعلي لمشروعه السياسي، إن حدث، فلن يكون بسبب قرار من واشنطن، بل بسبب زلزال جيوسياسي أكبر بكثير هز المنطقة مؤخراً.
طوال عقود، استندت مظلة فرنجية السياسية إلى معادلة ذهبية: عمق شعبي في الشمال، تحالف متين مع حزب الله في بيروت، وعلاقة استراتيجية وتاريخية مع دمشق. اليوم، ومع سقوط نظام الأسد في سوريا، فقد فرنجية حليفاً تاريخياً وعمقاً جغرافياً حيوياً كان يمنح حركته السياسية وزناً يتخطى حدود الجغرافيا اللبنانية.
هذا التبدل الجذري في ميزان القوى الإقليمي ينعكس بوضوح في نبرة المواقف الصادرة من بنشعي مؤخراً. يبدو أن فرنجية قرر مواجهة خسارة الجغرافيا بالمزيد من التصلب في الموقف. وقبل أسابيع قليلة من العقوبات، قالها علناً وبجرأة: “إذا ربح حزب الله سنربح وإياه، وإذا خسر، لا سمح الله، نخسر معه بشرف”. ليعود بعد القرار الأميركي ويؤكد عبر منصة”إكس” أن العقوبات “لا تعنينا لا من قريب ولا من بعيد.. كنا ولا نزال مع السلام ولكن ضد الاستسلام”.
في المحصلة، يثبت العناد الزغرتاوي والوفاء الشعبي قدرتهما على حماية حدود الزعامة داخل أسوار زغرتا والشمال اللبناني. لكن التحدي الحقيقي والوجودي لسليمان فرنجية اليوم، لم يعد داخل بيئته، بل في كيفية صياغة دور جديد خارج حدود هذه الأسوار بعد أن تبدلت خارطة المنطقة بالكامل.
