الخبير البيئي الدولي جلال حلواني ل”ديمقراطيا نيوز”: سموم الحرب تهدد بيئة الجنوب لعقود

بقلم ياسمين شعبان

لا تتوقف الحروب عند حدود تدمير المنازل وإزهاق الأرواح، بل غالباً ما تمتد نيرانها لتلتهم المستقبل عبر تدمير بيئي ممنهج يترك أثراً لا يزول لعقود. وفي جنوب لبنان، تتخذ الأعمال العدائية الأخيرة أبعاداً كارثية تتجاوز الدمار المرئي؛ حيث يتعرض النظام الإيكولوجي بكافة عناصره، من هواء وتربة ومياه، لعدوان صامت يهدد مقومات الحياة الأساسية. هذا التلاحم الخطير بين دمار الحجر وتسميم الطبيعة كشفت عنه أحدث التقارير التقنية للأمم المتحدة، بالتزامن مع تحذيرات علمية دوّت حول مصير الأمن الصحي والغذائي لأهالي الجنوب.

فاتورة التدمير: ركام بالملايين وخسائر بالمليارات
في الشق الهيكلي، كشف التقييم السريع للأضرار الذي أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS)، عن حجم التدمير الهائل الذي لحق بالمباني جنوب نهر الليطاني حتى أواخر نيسان ٢٠٢٦. وقد قدّر التقرير، الذي اعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي الجغرافي وفحص صور الأقمار الصناعية فائقة الدقة، حجم الأضرار المباشرة بنحو مليار وثلاثمئة وثمانين مليون دولار أمريكي، مخلفاً كتلة هائلة من الركام بلغت ثلاثة ملايين ومئة ألف متر مكعب.
وتظهر البيانات تدميراً كاملاً لأكثر من أحد عشر ألف مبنى، مما تسبب في محو قرابة ثمانية عشر ألف وحدة سكنية، فضلاً عن تضرر آلاف الوحدات الأخرى بشكل جزئي أو طفيف. وكانت للقرى الحدودية الحصة الأكبر من هذا التدمير الصادم، حيث تصدرت بلدتا عيناثا وبنت جبيل في قضاء بنت جبيل، وميس الجبل والطيبة في قضاء مرجعيون، والناقورة وبرج الشمالي في قضاء صور، قائمة العقارات الأكثر تضرراً من حيث عدد المباني المنهارة كلياً.

سياسة الأرض المحروقة: حرب الفسفور والكيمياء المحظورة

هذه الأرقام الهيكلية الصادمة ليست سوى القشرة الخارجية للأزمة؛ إذ يرى الخبير البيئي الدولي، البروفيسور جلال حلواني، أن الواقع الميداني يتجاوز دمار الحجر إلى كواليس كارثة بيئية حقيقية تؤكدها المعطيات العلمية. ويوضح البروفيسور حلواني في حديثة لموقع “ديموقراطيا نيوز” أن استخدام إسرائيل للفسفور الأبيض يؤدي إلى إحراق الأحراج والنباتات فور ملامسته للهواء، مخلفاً مركبات سامة تترسب في البيئة وتتسبب في حرائق واسعة النطاق ألتهمت آلاف الهكتارات من الأحراج.

وبالتوازي مع ذلك، برزت مخاوف مشروعة من قيام الطائرات برش مواد كيميائية يُشتبه بأنها مبيدات عشبية فائقة القوة ومسرطنة محظورة دولياً مثل مادة “غلايفوسيت”، في خطوة تهدف بوضوح إلى القضاء على الغطاء النباتي وحرمان المزارعين من العودة إلى أراضيهم. وتتلاقى تحذيرات حلواني مع تقرير “الكلفة البيئية للحرب” الذي أعدته وزارة البيئة بتوجيه من الوزيرة د. تمارا الزين، والذي يعد أول وثيقة علمية مبنية على الأدلة لرصد الأضرار الإيكولوجية البرية والبحرية، وتأثيراتها الكارثية التي أدت بالفعل إلى نزوح جماعي تخطى المليون شخص من نحو ستين قرية وبلدة جنوبية بعد فقدانهم لمقومات حياتهم اليومية.

السموم الكامنة: تهديد مباشر للسلسلة الغذائية والمياه

أما القنبلة الموقوتة الحقيقية، بحسب تحليل حلواني المدعوم بالدراسات المنهجية، فتكمن تحت سطح التربة وفي مجاري المياه. فالقذائف المتفجرة تترك وراءها معادن ثقيلة شديدة السميّة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم والزرنيخ، وهي معادن تتحلل ببطء شديد وتملك القدرة على البقاء في التربة لفترات قد تصل إلى عشرين سنة، مما يجعل الأراضي المستهدفة غير صالحة للزراعة على المدى الطويل. ويؤدي هذا التلوث إلى تسرب المواد المسرطنة إلى شبكات الشرب والري، مما يرفع احتمالات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والسرطانات والأمراض العصبية المزمنة، بالإضافة إلى تشوهات النمو عند الأطفال.

وينعكس هذا التدهور أيضاً في أزمة أوبئة فورية نتيجة تدمير شبكات الصرف الصحي واختلاط المياه المبتذلة بمياه الشرب، مما يشكل بيئة خصبة لانتشار الكوليرا والتيفوئيد، وصولاً إلى تسمم السلسلة الغذائية بالكامل جراء ري المحاصيل بمياه ملوثة تنقل السموم مباشرة إلى الخضار والفواكه، ومنها إلى الإنسان والحيوان.

مسارات الإنقاذ: خارطة طريق عاجلة للتعافي البيئي

ورداً على هذا التدهور الإيكولوجي الشامل، لا يقف التقرير الرسمي لوزارة البيئة والمجلس الوطني للبحوث العلمية عند حدود توثيق الكارثة، بل يتميز بطرح خارطة طريق واضحة وإرساء منهجية علمية للتدخل السريع وإعادة التأهيل. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة لتطبيق الخطوات الاستراتيجية العاجلة التي يطرحها حلواني لإنقاذ الجنوب، بدءاً من إطلاق حملات مراقبة مخبرية دورية وفحوص مستمرة لجميع مصادر المياه والتربة للكشف الدقيق عن نسب المعادن الثقيلة، مروراً بتفعيل محطات معالجة تعتمد تقنيات متطورة كالكربون المنشط أو الأغشية النانوية لعزل المواد المسرطنة والسموم الكيماوية عن شبكات الاستخدام المنزلي والزراعي.

كما تشمل هذه الرؤية اعتماد تقنية المعالجة النباتية البيولوجية لاستصلاح الأراضي المصابة عبر زراعة أنواع محددة من النباتات التي تملك قدرة طبيعية على سحب المعادن الثقيلة الكامنة في التربة وتطهيرها، وصولاً إلى ضرورة حشد وتعبئة الدعم والمجهود الدولي بالاستعانة ببرامج الأمم المتحدة والهيئات البيئية العالمية لتأمين التمويل الضخم والخبرات التقنية اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية المائية وتأهيل الأنظمة البيئية المتضررة قبل فوات الأوان.

إن حماية بيئة جنوب لبنان اليوم هي معركة وجودية لا تقل أهمية عن إعادة الإعمار، فالتهاون في مواجهة هذه “الإبادة البيئية” يهدد بتحويل الأرض إلى منطقة غير صالحة للحياة لعقود قادمة. إن إنقاذ ماء الجنوب وترابه وأشجاره ليس مجرد خطة تعافٍ تقنية، بل هو الركيزة الأساسية لضمان عودة السكان واستقرارهم، وقضية وطنية وإنسانية تستدعي تضافراً دولياً عاجلاً لإنقاذ مستقبل الأجيال القادمة وتثبيتهم في أرضهم.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top