
بقلم الياس عيسى الياس
كان جالساً مع قلة من جيرانه في شقة متواضعة، حيث يعبّق الهواء برائحة الشاي المُرّ. هو رجلٌ أمضى عمره يلقّن التاريخ في فصول طهران، ويدفنفي صدره تاريخاً آخر أشد قسوة.
مساء يوم الجمعة، التاسع عشر من يونيو 2026، تسمّرت أعينهم على شاشة قناة “خبر” الرسمية. هناك، أقدم النائب المتشدد محمود نبويان على كسر المحرمات: قرأ المراسلات السرية على الهواء مباشرة.
وفي اللحظة التي تجرأ فيها على تسمية الأشياء بأسمائها كاشفاً معارضة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي للتنازلات النووية، وفاضحاً الهوة السحيقة بين ما وقّعه المفاوضون وما أُذن لهم به انطفأت الشاشة. قُطع البث فجأة.
هوى صمت ثقيل على أرجاء الغرفة. تبادل الرجال نظرات خرساء.
لكن هذا المُعلّم، الذي فقد قدرته على الكلام المباح منذ أن سار وراء نعش ابنه الجامعي قبل سنوات، فَهِمَ كل شيء. ما التقطته عيناه في تلك الثانية المبتورة كان أبلغ من أي درس ألقاه يوماً: نظامٌ يرتعد من صدى صوته هو.
لكن الحقيقة خُنقت هناك، كما تُخنق دائماً في منتصف الكلام.
انقضى الليل. وفي اليوم التالي، وقف ترامب ملوّحاً بورقة التفاهم في محيط قصر فرساي، ليعلن عن “استسلام إيراني غير مشروط”. بالتزامن، كانت أسواق النفط تنتعش، وابتسامات الوسطاء القادمين من إسلام آباد والدوحة تفيض من الشاشات.
وسط هذا المهرجان، لم يسأل أحدٌ في فرساي عن الرجل الذي خُنق صوته وهو يقرأ الوثائق المهرّبة. ولم يلتفت أحد إلى الأب الذي يمسح غبار القهر عن إطار صورة ابنه كل صباح.
كان المعلم يعرف هذه اللعبة — تعلّمها من كتب التاريخ المقيتة قبل أن يتعلمها من شوارع طهران. أدرك أن السلطة تفاوض بدهاءٍ يفوق الوصف، ترخي الحبل لتلتقط أنفاسها، ثم تلوّح بخنق المضائق متى احتاجت لورقةضغط.
والغرب؟ الغرب يحفظ قواعد اللعبة ذاتها، ويمارسها دون ذرة خجل. إنها الغرف المغلقة، حيث يقرر الكبار من يستحق أن يتنفس الحرية، ومن يستحق أن يُستبدل ببرميل نفط.
أما الشارع… عائلات الضحايا، الطلبة المطرودون من مقاعدهم، والمرضى المتروكون للموت البطيء في مستشفيات أفرغتها العقوبات والفساد؛ فلم يُدعَ أحد منهم إلى طاولة التفاوض. كأن دمهم لم يكن ثمناً كافياً للحضور.
هم فقط من سيسدد الفاتورة النهائية: نظام يخرج من أزمته ببطشٍ مضاعف، ومشانق ترتفع وتيرتها في العتمة، وعالم يدير ظهره منشغلاً بأسهم مضيق هرمز ومواسم الانتخابات.
وحتى بعيداً في الجنوب، حيث يصرّ نتنياهو على بقاء دباباته “طالما كان ذلك ضرورياً”، بات حزب الله يعلم يقيناً أنه يقاتل في معركة وجودية بلا ظهير، بعد أن تهاوى جسره البري واستحالت سوريا إلى خندق معادٍ.
اتفاق الوقف الشامل لإطلاق النار ليس سوى حبر يتكسر على صخر الواقع قبل أن يجف.
عاد المعلم ليحدق في الشاشة المطفأة. تأمل كيف ابتدعت البشرية الدبلوماسية لتفادي سيل الدماء، ثم طوّعتها لابتكار صفقات تُراق فيها ذات الدماء، لكن بهدوء أكثر ونظافة أشد.
الأيام الستون القادمة في سويسرا لن تهب عائلته أو تلاميذه أي سلام. هي مجرد مسرحية لإنتاج وثيقة تمنح الجميع وهم الانتصار، في حين يُترك الإيراني في شارعه المخنوق، والجنوبي في قريته المسحوقة، يواجهان منفردَين حسابات لم يكن لهما فيها يوماً أي رأي.
حين قُطع البث تلك الليلة، لم يكن المستهدَف صوت نائب متشدد فحسب. كان المذبوح هو صوت كل إنسان توهّم يوماً أن الحقيقة تستطيع اختراق الشاشات.
وهنا يتجلى المعنى الأعنف لكل هذه التسويات: هي لا تنهي الحروب أبداً، بل تكتفي بإعادة توزيع الصمت.
