
بقلم الياس عيسى الياس
في البلاد التي تتعطل فيها الدولة، لا تتوقف الحياة — بل يجد الناس باباً آخر.
وجمعية القرض الحسن كانت، لأربعة عقود، ذلك الباب: لا تسأل عن انتمائك، ولا تشترط رصيدك، ولا تغلق في وجهك حين تنهار العملة. قوتها لم تأتِ من السلاح، بل من معادلة أبسط: أنها كانت هناك حين غاب الجميع.
وحين أغلقت المصارف أبوابها في وجوه الناس، وجد آلاف المقترضين العاديين — من صغار الكسبة والموظفين، بمعزل عن انتماءاتهم — في رهونات الذهب والخدمات المالية المتاحة هناك ملاذاً أخيراً لتسيير شؤونهم المعيشية، ليتحوّل الكيان الرديف إلى جزء من واقع اجتماعي فرضته الأزمة المتطاولة وانعدام البديل الشرعي.
عبرت المؤسسة الحروب وعادت، وعبرت الانهيار المالي وتوسّعت عبر نحو ثلاثين فرعاً، متجاوزةً بها حدود حاضنتها التقليدية.
طالتها العقوبات الأمريكية منذ تجميد أصولها الأول عام 2007، مروراً بالحصار المالي الأوسع الذي فرضته واشنطن عام 2019 — حين طالت العقوبات واجهاتها الرديفة أيضاً، ومنها مؤسسة “جود” لتجارة الذهب التي استُخدمت غطاءً لتحريك الأموال — فاستمرت. قُصفت فروعها فرمّمتها، وكانت تجد دائماً منفذاً للتكيّف.
في كل مرة كانت الدولة تنكسر، كانت هي تزداد رسوخاً — لأن قوتها لمتأتِ من القانون، بل من غيابه.
والآن، دخل الملف بجدية إلى أروقة القرار الرسمي اللبناني؛ خطوة وزيرالعدل بإحالة الملف إلى النيابة العامة التمييزية للتحقق من أنشطتها، تلاقت مع قرار وزارة الداخلية بحجب إفادتها السنوية — وهي الوثيقة التي يُفضي حجبها إلى تجميد إداري فعلي، يشلّ قدرة الجمعية على أي معاملة رسمية أو قانونية في الدوائر الرسمية.
هذه الإجراءات لا تعني حكماً بالإقفال الفوري، بل هي استكمال لمسار بدأه مصرف لبنان بتعميم حظر التعامل معها، بضغط مباشر من وزارة الخزانة الأمريكية.
خطوات متعددة تتجه نحو مؤسسة واحدة — لكنها تبقى، حتى الآن، خطوات بلا وجهة محددة؛ فالدولة تحاول عبرها الخروج من اللوائح الرماديةلـ”مجموعة العمل المالي” (FATF)، وإقناع المصارف المراسِلة بأن لبنان جاد في مكافحة الاقتصاد النقدي الموازي وتبييض الأموال.
هنا تتجلى المعادلة الصعبة: إن تفكيك الشبكة المالية لا يعني تحرير الناس ما لم تملأ الدولة الفراغ الذي ستخلّفه.
وهذا الفراغ تحديداً هو الخطيئة السيادية التي ارتكبتها السلطة بوعي أوبغير وعي، يوم أفرطت في التنازل عن سيادتها النقدية، وتركت مجتمعها رهينةً للكيانات الرديفة لصالح استقرار وهمي. وهو فراغ لا تبدو الدولة اللبنانية قادرةً على ردمه أو ضمان بدائله في المدى المنظور.
لقد علّمتنا الأدبيات السياسية، منذ ابن خلدون، أن العمران الذي يسمح لأسواقه بأن تعمل خارج سلطته لا يعود حاكماً لتلك الأسواق — بل يُحكَم بها.
وحزب الله يدرك هذه المعادلة التاريخية جيداً، لذلك يتعامل مع “القرض الحسن” بحساسية تكاد تضاهي حساسيته تجاه ملف السلاح؛ فالمال، مثل السلاح تماماً، ليس أداةً وحسب — بل هو سند شرعية داخلية، وخيط وثيق يربطه ببيئة يحتاج إلى ولائها الحيوي.
ومع ذلك، فإن إعادة التموضع الحالية للحزب قد تجعل كلفة كسر هذا الخيط، رغم مرارته، أقل مما تبدو.
فالقبول بقرار قضائي أو إداري محلي يُلزم الجمعية بالعودة إلى حدود ترخيصها الأصلي كجمعية اجتماعية — عبر تجريدها من المظاهر المصرفية كالصرافات الآلية والتحويلات — قد يشكّل مخرجاً يُهوّن الكلفة الداخلية، ويُجنّب الحزب مواجهةً مباشرة مع الخارج، طالما أن المضمون العملي للشبكة يمكن إعادة إنتاجه بأشكال أخرى تحت الطاولة.
أما هذا “الخارج” بدوره، فلا يريد انتصارات رمزية أو تعاميم ورقية تُضاف إلى أدراج الانتظار؛ يريد دولة تُثبت بالدليل الملموس أنها تملك إرادة تطبيق القانون على المؤسسات النافذة، عبر تفعيل الرقابة القضائية الفعلية والمحاسبة غير الاستنسابية.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي.
ليس في إغلاق الجمعية أو إبقائها — فهذا مسار يحتاج إلى أشهر وتوازنات وغطاء سياسي لم ينضج بعد. بل في شيء أبسط وأصعب في آن: أن تُقرّر الدولة ما إذا كانت جادة في استعادة صفتها كدولة.
لبنان عاش معادلة الكيانات الموازية لعقود، وقضية “القرض الحسن” اليوم تضع الجميع أمام الحقيقة العارية: إن الدولة التي تعجز عن استعادة هيكلها النظري لا تملك في الواقع سوى هياكل مستعارة، لتظل الكيانات الرديفة هي ما ينبت في الظل —
والدولة هي الظل نفسه.
