بقلم الياس عيسى الياس
 
لم يكن الحبر الذي وُقِّع به “اتفاق الإطار” أمس ٢٦ يونيو في واشنطن مجرد سائل جفّت عليه التواقيع، بل هو دمُ 4230 ضحية، وأنّات أكثر من مليون ومئتي ألف نازح أُخرجوا من ديارهم. حربٌ أُشعلت ثأراً لمرشد أجنبي سقط في غارات أميركية-إسرائيلية مشتركة، فدفع لبنان وحده الفاتورة الأغلى من دمه وحجره، ليجد نفسه اليوم أمام منعطف تاريخي لم تبلغه الدبلوماسية اللبنانية منذ عقود.
 
وثيقة توقّع في واشنطن بعد خمس جولات من المفاوضات المضنية، تحمل في طياتها بذرة حقيقية لاستعادة السيادة الكاملة، وإن كان طريق تحويلها إلى واقع راسخ لا يزال شاقاً ومحفوفاً بالتحديات.
 
إن هذا الاتفاق ليس صكّ سلام ناجزاً، بل هو — كما وصفه رئيس الوزراء نواف سلام — انعكاس لما اتفق عليه اللبنانيون في “اتفاق الطائف” والقرار “1701”: أن السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، وأنها وحدها صاحبةقرار الحرب والسلم.
 
وما يجعل هذا التفاهم مختلفاً عن سابقيه أنه يأتي في لحظة انهار فيها النفوذ الإيراني وتراجعت قدرة حزب الله. هذا التوقيت أفضى إلى واقع عجزت عن فرضه الضغوط الدولية لسنوات، متمثلاً في مسار واضح ومنظّم لانسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي المحتلة، مشروط بانتشار الجيش اللبناني وحده وبسط سلطة الشرعية.
 
وتكمن الأهمية الجيوسياسية للاتفاق في أنه يقطع الطريق على مسار كان يُهدد لبنان بخطر أشد وطأة؛ إذ جاء رداً على مسوّدة “مذكرة تفاهم 17 يونيو” التي كشفت أروقة الدبلوماسية عن تبلورها كإطار تفاهم أوسع بين واشنطن وطهران للتهدئة الإقليمية الشاملة، وهي المسودة التي أثارت ذعر بيروت نظراً لاحتمالية منح طهران وصاية دولية شرعية على الجنوب اللبناني بموجب صفقة أشمل تضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز.
 
وفي هذا يكمن الانتصار الفعلي للدبلوماسية اللبنانية: أن يُقرَّر مستقبل الجنوب على طاولة التفاوض الدولي لا في كواليس الصفقات الإيرانية-الأميركية بعيداً عن بيروت.
 
والركيزة الأساسية التي يقوم عليها الاتفاق صريحة لا لبس فيها: “القوات المسلحة اللبنانية وحدها” تتولى المسؤولية الأمنية في المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي. وتبدأ المرحلة الأولى بـ”منطقتين تجريبيتين”، إحداهما شمال الليطاني والأخرى جنوبه، تمهيداً للانسحاب الكامل إذا أثبت الجيش قدرته على فرض السيطرة وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله.
 
أما “مجموعة التنسيق العسكري الثلاثي” (MCG4L)، فهي آلية تيسيرية أميركية لضمان التنفيذ، تعمل إلى جانب آلية رقابة رباعية تضم واشنطن وباريس وبيروت وتل أبيب — وهو ما يُعيد للحضور الفرنسي التاريخي دوره كشريك في معادلات الأمن اللبناني منذ الطائف.
 
غير أن الإنجاز الدبلوماسي لا ينفي التحديات الهيكلية التي تنتظر التنفيذ. فإسرائيل تحتفظ بحرية عملها العسكري في “الحزام الأمني” وتتمسك بمواقع استراتيجية كقلعة الشقيف، رابطةً توسيع الانسحاب بنجاح المرحلةالتجريبية، فيما أعلن حزب الله رفضه القاطع معتبراً الاتفاق تنازلات مجانية.
 
وهنا تحديداً يقع الاختبار الحقيقي: ليس في صياغة النصوص، بل في قدرة الدولة اللبنانية على تحويلها من وثيقة إلى سيادة فعلية على الأرض.
 
إن ما شهدناه في واشنطن هو — بكلمات الرئيس جوزيف عون — “أول الطريق لتثمير تضحيات الشعب اللبناني”. وإن ولادة جمهورية لبنانية سيدة، مستقلة، تملك وحدها قرار السلم والحرب — ليس شعاراً بعد اليوم، بل مسارٌ بدأ وعلى اللبنانيين أن يُتمّوه.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top