
بقلم ياسمين شعبان
هل نجح قرار الإفادات المدرسية في حماية مصلحة الطلاب، أم أنه أوجد تفاوتاً جديداً أخلّ بمبدأ العدالة التعليمية؟ هذا السؤال بات محور نقاش ساخن عقب التدابير الاستثنائية الأخيرة لإنهاء العام الدراسي؛ فبين نية إنقاذ العام الدراسي وفي مواجهة تحدي غياب العدالة، جاء قرار منح ‘الإفادات المدرسية’ لطلاب الشهادات الرسمية ليفجّر سجالاً تربوياً ونقابياً واسعاً لم تهدأ تداعياته بعد. ورغم الظروف الأمنية والاستثنائية التي فرضت البحث عن مخارج، يرى أقطاب الحقل التعليمي أن الآلية المعتمدة قد أخلّت بمبدأ تكافؤ الفرص بين القطاعين الرسمي والخاص. فكيف تحول القرار الذي أُريد به مراعاة الطلاب إلى أداة تُحبط المتفوقين، وتساوي بين من بذل الجهد ومن تعثر؟
قرار الإفادات يحتاج إلى مراجعة تربوية شاملة
أكد مصدر تربوي، في حديث خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، أن قرار منح الإفادات وربطها بالعلامات المدرسية، رغم محاولته معالجة الظروف الاستثنائية التي رافقت العام الدراسي، يثير جملة من الملاحظات التربوية التي تستوجب إعادة النظر فيه.
وأوضح أن اعتماد نتائج الفصل الدراسي الأول وإلغاء أثر الفصل الثاني في تحديد النجاح يشكل إجحافاً بحق الطلاب الذين شهد مستواهم الأكاديمي تطوراً خلال النصف الثاني من العام، لافتاً إلى أن العملية التعليمية هي مسار تراكمي يتيح للطالب فرصة تعويض تعثره وإثبات قدراته حتى نهاية السنة الدراسية.
وأضاف أن ربط الإفادة بالعلامات المدرسية بالنسبة لطلاب الشهادة الثانوية الرسمية قد لا يعكس المستوى الحقيقي للطالب، باعتبار أن ثقافة هذه المرحلة التعليمية تقوم تقليدياً على أن الامتحانات الرسمية هي المعيار الأساسي للتقييم، الأمر الذي يدفع معظم الطلاب إلى تركيز جهودهم على الاستعداد لها أكثر من اهتمامهم بالعلامات المدرسية.
وأشار المصدر إلى إشكالية أخرى تتعلق بعدم توحيد معايير التقييم بين المؤسسات التعليمية، ولا سيما أن المدارس الخاصة لا تسلّم علاماتها إلى وزارة التربية بصورة منتظمة، كما أنها لا تخضع جميعها لآليات تدقيق موحدة، ما يطرح علامات استفهام حول عدالة المقارنة ومصداقية النتائج بين الطلاب في مختلف القطاعات التعليمية.
وشدد على أن من حق الطالب أن تتوافر له دورتان للامتحانات الرسمية، كما جرت العادة في الشهادة الثانوية، معتبراً أنه لا يجوز حرمانه من حقه في دورة ثانية استثنائية في عام دراسي استثنائي إذا لم يحالفه النجاح في الدورة المقررة الشهر المقبل.
وختم بالتأكيد أن أي آلية بديلة عن الامتحانات الرسمية يجب أن تستند إلى معايير موحدة وواضحة وقابلة للتحقق، بما يضمن تكافؤ الفرص ويحفظ حقوق جميع الطلاب دون استثناء، معتبراً أن الخيار الأفضل كان يتمثل في تأجيل موعد الامتحانات الرسمية والإبقاء على إجرائها لجميع الطلاب بدلاً من اللجوء إلى نظام الإفادات
محفوض: الأمن ليس مبرراً لإلغاء الامتحانات الرسمي
أكد نقيب معلمي المدارس الخاصة نعمة محفوض لموقع “ديموقراطيا نيوز” رفضه منح الإفادات بديلاً عن الامتحانات الرسمية، معتبراً أن مشهد الاحتفال بالإفادات في بيروت كان “مؤلماً” ويسيء إلى صورة التربية ولبنان ومؤسسات الدولة، مشدداً على أن الاحتفال الحقيقي يكون بعد نجاح الطالب في الامتحانات الرسمية.
ورأى محفوض أن الواقع الأمني لا يشكل مبرراً لإلغاء الامتحانات، لافتاً إلى أن البلاد تشهد تجمعات جماهيرية كبيرة في الحفلات والمقاهي والأماكن العامة، ما يؤكد أن تنظيم مراكز امتحانات لعدد محدود من الطلاب يبقى ممكناً من الناحية الأمنية.
وأشار إلى أنه، وبعد صدور القرار السياسي بعدم إجراء الامتحانات، كان من الأفضل اعتماد حل وسطي يقضي بحصر الإفادات بفئات محددة، تشمل الطلبات الحرة، والطلاب الرسميين الذين تنطبق عليهم الشروط الاستثنائية، إضافة إلى الطلاب الراغبين في التقدم للامتحانات بهدف الحصول على معدلات مرتفعة تؤهلهم لنيل منح جامعية أو تحسين فرصهم الأكاديمية، بدلاً من تعميم الإفادات على جميع الطلاب.
وأوضح أن وزارة التربية تمتلك علامات الفصل الأول المسجلة لديها، ما يجعل اعتمادها معياراً للاستفادة من الإفادات أكثر عدالة ويحول دون أي تلاعب، مؤكداً أن تعميم الإفادات يضر بالطلاب المتفوقين الذين يعتمدون على نتائجهم للحصول على منح جامعية، كما ينعكس سلباً على مكانة الشهادة اللبنانية التي عُرفت تاريخياً بقيمتها الأكاديمية وريادتها في المنطقة.
العمر : الإفادات أوجدت مفارقة تربوية وأخلّت بمبدأ العدالة
رأى رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي جمال العمر، في حديث لموقع “ديموقراطيا نيوز”، أن قرار منح الإفادات أوجد مفارقة تربوية غير عادلة، معتبراً أنه يسمح لطالب ناجح ومتفوق بالحصول على إفادة فقط، فيما قد يتمكن طالب كان مهدداً بالرسوب من نيل الشهادة، وهو ما يفتقد إلى العدالة والمنطق.
وأضاف العمر أن اعتماد العلامات المدرسية يثير إشكاليات إضافية، لا سيما في المدارس الخاصة التي لا ترفع علامات نهاية العام إلى وزارة التربية بصورة منتظمة، ما يفتح الباب أمام تفاوت في أساليب التقييم، في مقابل طلاب المدارس الرسمية الذين أمضوا عاماً كاملاً في التحضير للشهادة الرسمية على أساس أن الامتحان هو المعيار الوحيد لتقييمهم.
واعتبر أن الحل الأكثر إنصافاً كان يقضي بمنح الإفادات لجميع الطلاب في القطاعين الرسمي والخاص، بالتوازي مع فتح دورة حرة للراغبين في التقدم إلى الامتحانات الرسمية، ولا سيما الطلاب الذين لديهم مشاريع سفر أو منح جامعية أو يحتاجون إلى الشهادة الرسمية، إضافة إلى الطلبات الحرة، بما يحقق العدالة بين جميع الطلاب ويحفظ حقهم في اختيار المسار الذي يناسبهم، بعيداً عن أي تمييز بين فئاتهم.
وشدد العمر على رفض رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي ما وصفه بـ”استهداف التعليم الرسمي بقرارات غير مدروسة”، مشيراً إلى أن الرابطة ستعارض القرار “بكل الوسائل المتاحة”، وستقف إلى جانب الطلاب دفاعاً عن حقوقهم، محذراً من أن منح الشهادات لفئة من الطلاب سيُفرغ الدورة الاستثنائية من مضمونها، مؤكداً أن الرابطة ستقاطعها إذا مُنحت الشهادات للطلاب الراسبين في الثانويات. وختم بالتشديد على أن الحل العادل يكمن في اعتماد آلية موحدة تحفظ هيبة الشهادة الرسمية وتكفل تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب، بعيداً عن أي تمييز بين التعليم الرسمي والخاص.
