
بقلم خالد صالح
عالمُ “الفضاء الافتراضي” ليس أجملَ بالنسبة لي، لم يعد أجملَ لأن المعلومات فيها دفقٌ هائلٌ من الدّجل وفيها “تضليل” كبير وخطير، لأن عقلي لم يعد قادرًا على الاستيعاب الطبيعي للمعلومات المتدفقة، في هذا العالم أزالوا الجدران وأزالوا الحواجز وأسقطوا المحرّمات، فقد اعتدتُ طوال عملي الاعلامي على إيجاد “المعلومة” من خلال بحثٍ ما، وكانت المعلومة، حتى معلومة “الرقيب” كان فيها قمع تسلّطي جميل ..
لكن اليوم “القمع التسلطي” أصبح قادرًا على الدخول والتوغل والتغلغل في كل تفاصيل حياتنا عبر هذا “الفضاء الافتراضي”، فالمعلومة أصبحت “قشّة” في محيط، كنا قادرين على العثور على المعلومة، لأن هذا الدفق الهائل خطير جدًا، إذ يتسلّل إليه التضليل والإشاعات على شكل “الحقيقة”، فالإشاعة عندما تكون على شكل الحقيقة وتُصاغ بـ “ذكاء وخبث” من جهات تُنظّم هذه الإشاعة أو المعلومة التضليلية، ونبتلعها كـ “متلقّين” على أنها حقيقة، نكون قد دخلنا في عالم آخر مختلف، حيث استطاع التضليل أن يتغلغل فينا ..
أيام “الرقيب الأمني” كنا نُدرك أنّه يقوم بتضليلنا، ونسخر ونضحك على المعلومة التي يقدمها لنا لأننا نأخذ بـ “عكسها”، لكننا اليوم نبتلع كل المعلومات المضلِلة ونبني آراءنا ومواقفنا وحياتنا وتفاصيلها بناء على هذه المعلومة المضللة فنتوه أكثر وأكثر، لذلك يشتعل الحنين في داخلي لذلك الزمن القمعي التسلّطي الجميل أكثر من اليوم، إلا إذا وجدنا ذات يوم طريقة نُنظّم فيها هذه الفوضى في عالم “الفضاء الافتراضي” ..
أتيتُ بهذه المقدمة بعدما بلغ السيل الزبى، بل غرقنا جميعًا في “شبر ماء” من “الرداءة الاعلامية” التي تزكم الأنوف تحت مصطلح “حرية الاعلام”، لم يعد الأمر مجرد هفوات لسان أو “زلة” عابرة، بل نحن أمام حالة من “الإعاقة” التعبيرية الشاملة التي تجعل المرء يتساءل بمرارة: هل هؤلاء القوم ينطقون باسم الشعب، أم كلهم “يعقوب” وفي أنفسهم “غايات” لايعلم أسرارها إلا الراسخون في تفاصيل “المصالح”؟، أم يمثلون “طلاسم” السحر الأسود التي لا يفهمها جن ولا إنس؟ ..
لقد إعتدنا خلال الفترة الأخيرة على بعض “الطارئين” على ميدان الإعلام الإعلاميين لاسيما أولئك الذين نبتوا كـ “الفطر” على حوافّ مجاري “المنصّات” الآسنة، الذين يبدو أن علاقتهم بـ “الحقيقة” صارت موضع شبهة بعدما استمتعوا بـ “رأسهم الحامي”، فلم يُصدّقوا أنفسهم أنهم “برزوا” وصاروا من الذين يرتادون الشاشات وزوايا “البودكاست” فتوقفوا عند حدود “رسمت هند قطة”، لكن أن يتحول النقاش حول مصير “وطن” إلى “تهتهة” جماعية ومحاولات يائسة لتركيب فعل مع فاعل، فهذا إنجاز تاريخي غير مسبوق في فن التلوث السمعي ..
الخطاب عبر “المنصات” و “خلايا الشوارع”، صار عبارة عن “سَلَطَة” من الكلمات المتقاطعة، تدخلات تفتقر للمبتدأ، وعويل يضيع فيه الخبر، وأسئلة سريالية تجعل المواطن يشعر وكأنه يشاهد فيلمًا صامتًا، لكن بضجيج مزعج لا ينتهي، أما الكارثة العظمى، فتتجلى في تلك “النخبة” المزعومة (وضع خطين أحمرين تحتها من فرط الإعجاب)، التي تجلس على كراسي الحوارات واللقاءات الإعلامية، يدّعون أن عقولهم مبرمجة بلغات موليير وشكسبير وميكيافيللي لدرجة أن لسانهم “تعطل” من فرط الرقي ..
لكن الواقع المخزي يقول إنهم “أجراء” يخدمون أسيادهم الذين رسموا لهم “مسار التضليل”، تراهم يقفون بكل ثقة، ليلقوا “قنبلة” من المعلومات غير المفيدة، وهم مدركون أنها “إشاعات” تستهدف جماعة أو شخصًا، ورغم يقينهم أنها معلومات تضليلية يصرّون عليها ويدافعون عنها، وعند انكشاف زيف إدعاءاتهم يُكملون مسيرتهم الموبوءة من دون مراعاة مصداقيتهم التي تهاوت وصارت في الوحل ..
مؤخرًا ظهر البعض في مقالات عبر مواقع إلكترونية ذات أهداف مكشوفة أو عبر منصّات أعدّت خصيصًا لغايات التضليل وإثارة النعرات والقلاقل وبث الفتنة في الشارع اللبناني، طارحين أنفسهم كبدلاء او منقذين أو أصحاب مصداقية لا تشوبها شائبة، لكنهم بثوا دفقًا هائلًا من المعلومات الخاطئة وفق لغة لا تحترم ذكاء القارىء أو فطنة المستمع، تسمعهم يتحدثون عن “مأسسة التموضع الاستراتيجي لبلورة آليات الآجزاء المندمجة”، فتشعر أنك أمام جهاز حاسوب أصابه عطل تقني، وليس أمام إعلامي مرموق يفترض فيه تبسيط الأمور للناس..
في زمن “المسخ السياسي والإعلامي” الذي نعيشه اليوم جرّاء “الفضاء الافتراضي” الملوّث، صار لزامًا على كل من تسوّل له نفسه قول الحق أن يضع في حسبانه تهمة جاهزة ومعلبة تنتظر خلف الأبواب، وهي تهمة “العمالة” لهذا أو ذاك، أو تهمة “عبادة الأشخاص”، تلك الشماعة المهترئة التي يعلق عليها الفاشلون عجزهم عن مقارعة الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان.
لقد طّور هؤلاء أساليب المراوغة وأجادوا اللعب على أوتار المفردات اللغوية، خدمة لمشاريع وأجندات موضوعة بعناية، لذلك فإن هذا الفضاء الافتراضي لم يعد جهة تمتع بالمصداقية، لأن “فيها ما هبّ ودب” من مسوخٍ بشرية أجازت لنفسها التطاول والتعدي على الكرامات، من دون حسيب أو رقيب، واستطاعوا أن يفرضوا علينا رداءَة أخلاقية ولغوية وسياسية وإعلامية في آن واحد، وهذا استخفاف بالشعب لم يعد يطاق، فارحموا عقولنا، فقد ضاق “البيان” بما رحبت “الرداءة”..
من هنا وجب القول: إن من يدافع عن المصلحة العامة في هذا المناخ الاعلامي الموبوء هو البطل الحقيقي، وإن حاصره المرتجفون واتهمه المنتفعون؛.. لأن التاريخ لا يذكر الصامتين الذين مروا كالأشباح في كراسيهم، بل يخلد ذكر أولئك الذين امتلكوا الجرأة ليقولوا “لا” في وجه من قالوا “نعم” مقابل فتات المصالح الضيقة، فلا ترهبكم التهم المعلّبة، لأن “التابع” يخشى الفضيحة كما يخشى الظلام بزوغ الفجر ..
