السيادة القانونية تهزم «تسونامي» الكسارات


بقلم الياس عيسى الياس

في حلقات جذوع أشجار هذا الشرق يكمن أرشيف حي لتقلبات المناخ وتحولات الأرض. إلا أن الجرافات التي تنهش أحشاء الجبال في لبنان لا تقتلع مجرد غطاء نباتي، بل تبيد بصفاقة هذا الأرشيف الطبيعي، وتغتال شهوداً صامتين على تاريخنا.
 
إن الحرب الأهلية لم تنتهِ حقاً بإنتاج دولة المؤسسات، بل أفضت إلى تسوية سياسية استسهلت استباحة الموارد العامة كأداة لتثبيت النفوذ. ومن يراقب مسار التعاطي الرسمي مع الأملاك البحرية أو نهش جبال الكورة والشوف، يدرك أن غياب المحاسبة يمثل سياسة ممنهجة لمكافأة شبكات المصالح.
 
ويأتي قرار مجلس شورى الدولة الصادر في 14 تموز 2026 بوقف تنفيذ قراري حكومة الرئيس نواف سلام بشأن مقالع شركات الإسمنت، وهو قرار تولت إصداره الغرفة الخامسة في المجلس، حيث انعقدت الهيئة الحاكمة برئاسة القاضية ميراي داود، وضمّت إلى جانبها المستشارتين باتريس يافارس وثريا صلح، ليعيد رسم حد فاصل بين محاولة قضائية لترميم فكرة “الدولة”، وبين سلطة تنفيذية تواصل الالتفاف على القوانين بقرارات تفتقر إلى المشروعية والعدالة الاجتماعية.
 
واللافت أن المجلس لم يتصرف باندفاع؛ ففي أوائل حزيران أرجأ حسم مسألة وقف التنفيذ، مانحاً الحكومة مهلة ليزوّده ممثلوها ووزارتا البيئة والمالية بجملة معطيات جوهرية: نسخة عن مخطط 1997 وخرائطه، وما اتُّخذ فعلياً من إجراءات لضبط تصدير الترابة واستيرادها، وما حُصِّل من كلف الضرر البيئي والرسوم المستحقة.
 
مرّ شهر كامل، ولم تُقدّم الدولة جواباً واحداً على أي من هذه الأسئلة. هذا الصمت هو ما رجّح كفة وقف التنفيذ في النهاية؛ فالمجلس لم يعاقب حكومة سلام على قرارها فحسب، بل على امتناعها عن أن تشرح لنفسها ما فعلته.
 
تعود جذور هذا النزاع إلى حقبة الانتداب الفرنسي. فالأطر التي نظمت المقالع والكسارات في ثلاثينيات القرن الماضي ولدت مبتورة من أي شروط بيئية أو التزامات بإعادة تأهيل المواقع المستثمرة.
 
والمشكلة الأساسية لم تكن في غياب النصوص اللاحقة، بل في كون المنظومة القانونية القديمة ظلت تحكم قطاعاً تضاعف حجمه وأثره مرات عديدة مع طفرة الإعمار في التسعينيات.
 
وحتى عندما استحدثت وزارة البيئة وصدر قانون حماية البيئة رقم ٤٤٤، جرى تفخيخ النصوص ببدعة “المهل الإدارية” والتراخيص الاستثنائية التي صيغت على قياس المحاصصة السياسية، متجاهلة أي دراسة حقيقية للأثر الصحي والبيئي.
 
والمفارقة هنا أن الاستثناء الذي يفترض أن يبقى إجراءً مؤقتاً لحالات طارئة، تحول في لبنان إلى قاعدة تسيّر المرفق العام، فيما أصبح تطبيق القانون هو الاستثناء المستغرب.
 
وعندما حاول مرسوم تنظيم المقالع عام ٢٠٠٢، إلى جانب مرسوم ترتيب الأراضي اللبنانية عام ٢٠٠٩، وضع ضوابط علمية عبر حصر الاستثمار في مناطق محددة من السلسلة الشرقية خالية من السكان، اصطدم فوراً بمصالح شركات الإسمنت الكبرى في شكا والكورة والشوف.
 
وبحسب ما ورد في مراجعات قضائية وتقارير رسمية ومدنية، رفضت هذهالشركات تكبد تكاليف نقل المواد الأولية من البقاع إلى معاملها الساحلية. وآثرت، مستندة إلى أغطية إدارية وفرها وزراء متعاقبون، الاستمرار في استثمار مواقع غير شرعية في مناطق تصنف زراعية وسكنية.
 
هذا التواطؤ شل عمل الضابطة العدلية وحظر تحرير محاضر المخالفات، ليتحول هذا النموذج من “اللاقانون” إلى مؤسسة قائمة بذاتها تحمي الاحتكار.
 
ولم يقتصر أثر هذه الحماية على التدمير البيئي وتفشي الأمراض المزمنة في المحيط الحيوي للبلدات المجاورة، بل تمدد ليفرض واقعاً اقتصادياً مشوهاً تتحكم فيه الكارتيلات بأسعار المواد الإنشائية، فارضة أسعاراً فلكية تفوق ضعف كلفة الاستيراد في غياب تام لآليات الرقابة والمنافسة المشروعة.
 
وعلى خلاف الوعود المقطوعة بالتغيير، سقطت حكومة الرئيس نواف سلام في الامتحان ذاته. فرغم أنها استهلت عملها في أيار ٢٠٢٥ بوقف التراخيص الاستثنائية التي منحتها الحكومات السابقة، بل ذهبت في أيلول ٢٠٢٥ إلى حد اشتراط عدم منح أي ترخيص جديد قبل تسديد الشركات مستحقاتها المتراكمة للخزينة، لم تصمد هذه المبادرة سوى أحد عشر شهراً.
 
ففي نيسان ٢٠٢٦ انقلبت الحكومة على قرارها السابق، وأصدرت القرارين رقم ٦ ورقم ٩، فاتحة الباب مجدداً أمام شركات الإسمنت لاستثمار المقالع لمدة عشر سنوات كاملة خارج المخطط التوجيهي. وبررت خطوتها بضرورة حماية صناعة الإسمنت والوظائف التي توفرها، وضمان جهوزية السوق لورشة إعادة الإعمار المرتقبة.
 
ولم تكتفِ بذلك، بل عادت في 30 نيسان لتتجاوز رفض بلدية كفرحزير الصريح استثمار مقالع في أرضها، في ازدراء مباشر للإرادة المحلية.
 
غير أن هذا التبرير ينهار عند أول اختبار عملي: القرار لم يتضمن أي سقف لسعر الإسمنت في السوق المحلي رغم بلوغه أضعاف كلفة استيراده، ولم يمنع تصدير المادة إلى الخارج، بل ترك هذه المسألة الحساسة للجنة وزارية موسعة تبت بها لاحقاً، أي بعد أن تكون التراخيص قد مُنحت فعلاً. فإذا كان الهدف الحقيقي هو تأمين مادة البناء لإعادة الإعمار، لماذا لم تُغلق ثغرة التصدير من اليوم الأول؟
 
واللافت أن هذا الانقلاب جاء عبر قرار حكومي عادي حاول تعديل مرسومين تنظيميين نافذين، رغم أن القاعدة القانونية البسيطة تقضي بأن ما يُنشأ بمرسوم لا يُلغى أو يُعدَّل إلا بمرسوم من الدرجة نفسها، لا بقرار عابر من مجلس الوزراء.
 
كما أغفل القرار مستحقات مالية ضخمة للدولة تُقدَّر بنحو ٣٧٠ مليون دولار بحسب تقديرات بيئية ودولية حديثة، وهي مستحقات ينص القانون صراحة على وجوب تحصيلها كاملة من كل من استثمر مقلعاً دون ترخيص قانوني منذ عام ٢٠٠٤، بموجب أحكام موازنة عام ٢٠١٩. ومع ذلك اكتفى القرار بفرض ما سُمّي “تعويضاً بيئياً” شكلياً يقوم على تنازل الشركات عن مساحات محدودة من أراضيها، بدل أي تعويض مالي فعلي عن الضرر الذي لحق بالمياه والتربة والهواء.
 
ويزيد من فداحة الأمر أن حكومة سلام لم تقتدِ حتى بتجربة سابقة أقلت سامحاً مع الكارتيلات: ففي عهد الرئيس حسان دياب، أُلزمت شركات الإسمنت بتسعيرة رسمية، ومُنع التصدير، وسُهّل الاستيراد، في خطوة اتخذها آنذاك وزير الصناعة عماد حب الله. أما اليوم فلم تضع الحكومة أي ضابط مماثل يكبح احتكار الشركات الثلاث لسوق مادة أساسية في ورشة إعادة الإعمار التي تتذرع بها.
 
أمام هذا الانكفاء، بادرت جمعيات بيئية عدة، من بينها وصية الأرض والجنوبيون الخضر والخط الأخضر، إلى الطعن بالقرارات أمام مجلس شورى الدولة، وانضم إلى المراجعة ناشط بيئي معروف في كفرحزير إلى جانب مختار بلدة بدبهون، وكذلك نائبتان هما نجاة عون صليبا وبولا يعقوبيان.
 
ولم يجد المجلس أمام هذه الطعون مجتمعة، وأمام صمت الحكومة المطبق عن أسئلته، سوى وقف تنفيذ القرارات الثلاثة كافة، بما في ذلك التراخيص التي استندت إليها الإدارات المحلية في الشمال لصالح إحدى شركات الإسمنت الكبرى.
 
هذا الإجراء ليس مجرد مكسب موضعي لأهالي الكورة والشوف، بل هو اختبار حقيقي لمفهوم فصل السلطات في لحظة سياسية داهمة؛ فأي مماطلة من قبل الإدارات المحلية والمحافظين في سحب التراخيص القائمة على القرارات الموقوفة ستعني رضوخاً مكشوفاً لمنطق الاستباحة الإدارية.
 
إن استعادة هيبة الدولة لا تبدأ بالشعارات البرّاقة، بل بالخضوع التام وغير المشروط لسلطة القانون، حيث يشكل احترام قرارات القضاء اليوم الاختبار الحقيقي لقيام دولة المؤسسات.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top