
بقلم نزار شاكر
لم أكن في ذلك الصباح من يوم الجمعة سوى متابعٍ يجلس في القاعة لمتابعة لقاء حواري يحلل المشهد اللبناني في ظل الصراعات الدولية. لكنني خرجت بانطباع يوازي حجم التحولات التي يمر بها العالم؛ إذ كانت النقاشات والأفكار الرصينة التي طرحتها المشاركات هي الدافع التحريري المباشر لكتابة هذا المقال.اللقاء، الذي عُقد بمبادرة من الدكتور فادي الجمل وإدارة استراتيجية للدكتور خلدون الشريف، شهد تمثيلاً لافتاً من شريحة واسعة من الشابات دون الثلاثين، يمثلن برنامج “نحو رؤية شبابية للبنان 2030″، وهي مبادرة تهدف — بحسب القائمين عليها — إلى إعطاء الشباب صوتاً حقيقياً وتحويلهم من خانة المتابعة إلى ممارسة الدور الفاعل، متجاوزين الشكلية إلى طرح خطط عملية ومؤسساتية.وخلافاً للمعهود في طرابلس، حيث تُحتكر النقاشات السياسية الكبرى من قِبل النخب التقليدية، قدمت هؤلاء الشابات نموذجاً حوارياً متقدماً، إذ لم تتوقف مداخلاتهن عند حدود التوصيف التشاؤمي للواقع، بل غاصت في أسئلة تفكيكية شكلت بوصلة الحوار: “كيف نريد لبنان؟ وإلى أين نذهب؟ وكيف نفهم اليوم التالي؟”. وقد قدم الدكتور الشريف قراءة سياسية واقتصادية حاولت تفكيك الملفات المعقدة والانتقال بها من التجريد إلى آليات بناء الدولة.قطار المصالح العالمي وتخلف المنظومة اللبنانيةفي إجابة على سؤال الشابات: “كيف ترون مستقبل الدور الإقليمي للبنان في ظل المتغيرات الجيوسياسية الحاصلة في المنطقة، وما هي انعكاساتها على مشروع الشباب للسلام والتنمية؟ ولبنان الوطن إلى أين؟”انطلق الدكتور خلدون الشريف في تحليله من فرضية مفادها أن السياسات الدولية تغيرت بشكل جذري؛ إذ انتقل العالم من التركيز على السيطرة الميدانية والجغرافيا العسكرية إلى إدارة سلاسل التوريد، والبيانات (Data)، والخطوط البحرية والبرية، وإمدادات الطاقة، وترابط الاقتصادات، حتى بات “خط الإنترنت اليوم يفوق في أهميته الاستراتيجية فيلقين من الجيوش”.ويرى الشريف أنه في الوقت الذي تسعى فيه دول المنطقة لمواكبة هذه التحولات، لا يزال المشهد اللبناني غارقاً في سجالاته الداخلية التقليدية حول السلاح والتحاصص الطائفي والمذهبي، معتبراً أن العالم تجاوز هذه الأدبيات وبات يتشكل وفق خريطة مصالح جديدة.غياب الرؤية الجيوسياسية وقصور المنهجيةورداً على تساؤلهن: “في ظل الانهيار المتزايد، هل ترون للبنان مستقبلاً مشرقاً بحلول 2030، أم أن السيناريو الأسوأ هو الأقرب؟ وما هي السيناريوهات المحتملة لمستقبل لبنان خلال السنوات القادمة؟”.أشار المحاور إلى أنه بينما تتجه النقاشات السياسية اللبنانية نحو طروحات مثل “الفيدرالية” أو إدارة الانقسام الداخلي، كانت المنطقة تشهد صياغة تفاهمات إقليمية بدعم أمريكي لإعادة تفعيل خط النفط الاستراتيجي بين كركوك وبانياس لإيجاد بدائل لمسارات النقل التقليدية، واعتبر الشريف أن الغائب الأبرز عن هذه التحولات هو لبنان، رغم أن الخط في أصله التاريخي كان يمر عبر طرابلس (خط كركوك – طرابلس – حيفا).وفي الوقت الذي يُعاد فيه رسم مسارات الطاقة ومشاريع الربط الدولي كممر (IMEC)، يستمر النقاش المحلي في الانشغال بمسائل قاصرة تتصل بتوازنات الطوائف وتتبع التحولات الفردية في دول الجوار. واعتبر المحاضر أن هذه المنهجية تعكس انفصالاً عن الواقع الدولي الذي يندمج فيه القرار السياسي بإدارة الأعمال والمصالح الاقتصادية الكبرى.
