
بقلم الياس عيسى الياس
مرت سنة،
ولم يعتد هذا الغيابُ حضورَه بعدْ.
أفتّحُ نافذةَ الشرفةِ في الضيعة،
أستريحُ من زحمةِ هذا العالم،
وأهيّئُ قلبي للغد على إيقاعِك.
غريبٌ كيفَ مرّ الوقتُ بمكره، دون أن يلتفت،
بينما بقيت تفاصيلُنا معلقة
بين “كيفَك انت” و”ع هدير البوسطة”.
ما زلتُ أرى في بيانو بيتكَ مفتاحاً يتيماً
يخشى أطرافَ الأصابع.
وكلما داهمنا لحنٌ من المذياع
في سيارةٍ تقطعُ طريق الضيعة وسط العتمة،
أو في سهرةٍ بيتية تتفرّجُ على الهدوء،
أشعرُ كأنّ أغنيتكَ تلتفتُ إلينا لتؤلمَنا بذكاء.
لم نفقدْ معكَ مجردَ فنان،
بل فقدنا عدسةً كاملة
كنا نرى بها هذا الشرق بمفارقاتِهِ، وهزائمهِ،
وتعبِ ناسِهِ في “الصبحية”.
أذكرُ صوتَكَ عبرَ الأثير،
وحرقتك الدائمة على ناس هذا البلد،
وهيستيريا السخرية من تجار الدين والسياسة
الذين يفلحون فينا طوال الأسبوع باسم الشعارات.
وأذكرُ أيضاً حدّتك في “السفير”
بالجرأةِ نفسها التي عرفناها في نوتاتِك.
كنتَ تفهمُ، بسخرية نادرة،
أن هذا الكائنَ المسمى إنساناً
أعقدُ بكثير من الخطب السياسية الطنانة.
لهذا السبب بالذات،
لم تكن شخصياتُكَ أبطالاً خارقين.
كنتَ ابن البلد الذي يعرفُ أن الحياةَ تُعاش في التفاصيلِ المهملة:
في نظرةٍ صامتةٍ في زاويةِ الغرفة،
وفي ضحكةِ طفلٍ تصنعُ معجزةً صغيرة.
كتبْتَ للنواقص؛
للحبّ الذي يتعثرُ ثم ينهض،
وللقلوبِ التي تتظاهرُ بالصلابةِ وهي ترتجف.
لم تقل لنا يومًا إن الأمورَ ستكونُ بخير،
بل منحتنا الشجاعةَ لنعترف، كما في “ضاق خلقي”،
بأننا لسنا بخير…
وفي هذا الاعتراف بالذات خلاصُنا.
كتبتنا بلكنتِنا المحكية وبوجعِنا المكتوم.
حتى المرأةُ في موسيقاك كانت حقيقية
تشاركُكَ العتمة والضوء؛
لا أيقونةً معلقةً في الفضاء،
بل امرأةً تحبُّ وتغضب،
وتواجهُ تفاصيل الحياة اليومية.
أما سُخريتكَ فكانت موقفاً وجودياً؛
كنتَ تعرفُ أن الضّحكَ ليس نقيضَ الحزن،
بل أعمقُ أشكاله.
نضحكُ من أعماقِنا معك،
ثم نكتشفُ أن ما أضحكَنا
كان مرآةً لوجعٍ نخجلُ من إعلانه.
تقلبَ الزمنُ وبقيتَ أنتَ وموسيقاكَ في المكانِ نفسه.
لم تكن موسيقاك تستعرضُ عضلاتِ العازف،
بل كانت كصديقٍ يضعُ يدهُ على كتفِنا في العتمة؛
لا يسألُنا شيئاً،
لكنه يفهمُ كلَّ ما نعجزُ عن كِتابتِه في الصحافة والسياسة.
سنةٌ مضت،
والبلد لا يزال على حاله يفتش عن معناه.
لكن كلما مرّ لحنٌ لكَ،
بينما ضحكاتُ الصغارِ تملأُ البيت،
أشعرُ أنكَ تذكّرنا بأن الإنسانَ ما زال حقيقياً،
وأجملَ من كلّ خيباتِه.
أعودُ إلى صوتِكَ،
وأكتشفُ أننا لم نخسرْ كلّ شيء…
طالما أن ذلكَ المفتاحَ على البيانو
ما زال يعرف كيف يغني لنا:
“إيه في أمل”…
وبلا ولا شي… بحبك.
