واشنطن لنتنياهو لم يعد الشيك على بياض

بقلم إلياس عيسى الياس  

تخلت تل أبيب عن بروتوكولات السفر التقليدية. أُعدّت طائرة “جناح صهيون” للإقلاع من قاعدة “نيفوتيم” العسكرية في النقب وسط إجراءات أمنية مشددة، دون صحافيين ودون اتصالات. لم تكن تلك التفاصيل اللوجستية مجرد احتياطات عادية، بل حملت إشارة أراد بنيامين نتنياهو إيصالها للبيت الأبيض: إسرائيل تتعامل مع هذه الزيارة بوصفها جزءاً من ظرف عسكري استثنائي. وتأكدت هذه الرسالة حين أطل رئيس الوزراء الإسرائيلي في تسجيل مصور بعيد إقلاعه ليضع الملف الإيراني في صدارة محادثاته مع دونالد ترامب. يحمل نتنياهو ملفاً استخباراتياً محدثاً يركز، بحسب تقارير متداولة، على منشأة “جبل الفأس” المحصنة بالقرب من نطنز، حيث تشير التقديرات إلى نقل أجهزة طرد مركزي متطورة ومخاوف من إخفاء يورانيوم مخصّب في باطنها. وتسعى إسرائيل إلى توظيف هذه التطورات الميدانية للتدليل على انسداد المسار الدبلوماسي. لكن الرد الأميركي جاء سريعاً وبارداً. ففي مقابلة تلفزيونية سبقت اللقاء، قلل ترامب من حجم المفاجأة بنبرة حملت عتباً علنياً، مشيراً إلى أنه على علم تام بما يجري في المنشأة، متسائلاً عن الجدوى من طرح هذه الملفات أمام الإعلام بدلاً من النقاش المغلق. انعكس هذا التباين فوراً على شكل المحادثات. حُرم الإعلام من أي لقطات، ودخل نتنياهو من مدخل جانبي للبيت الأبيض ليغادر بعد ساعة ونصف دون مؤتمر صحافي أو بيان مشترك. غياب المظاهر الإعلامية يعكس حذراً في واشنطن؛ حيث تضع التقييمات الواردة من مؤسسات القرار فرص نجاح الدبلوماسية وفشلها على كفتين متساويتين، وتفضل اختبار فرص التسوية قبل الإقدام على أي خيارعسكري واسع. ظهرت الحسابات المعقدة ميدانياً في قرار البنتاغون وقف حملة القصف التي استمرت ثلاث عشرة ليلة ضد أهداف إيرانية. التقديرات الأميركية تذهب هنا إلى ما هو أبعد من المكتسبات التفاوضية؛ إذ تُعزى النبرة الحذرة، وفق تقارير دفاعية، إلى تقاطع بين تضاؤل بنك الأهداف القابلة للضرب ومخاوف استنزاف صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، بالتزامن مع الضغوط المستمرة على الجبهة الأوكرانية. يضاف إلى ذلك تحول في المزاج الشعبي، حيث أظهر استطلاع لرويترز/إبسوس أن ثلث الأميركيين فقط يؤيدون الاستمرار في الحرب. هنا تكشف الأرقام مفارقة جوهرية: واشنطن تحسب خطواتها بمعادلة الكلفة العسكرية والجدوى السياسية، بينما يصر نتنياهو على الذهاب حتى النهاية لتفكيك البرنامج النووي كلياً. ولم يكن الخلاف حول إيران ليقف عند حدود الملف النووي، بل امتدت آثاره لترتيب بقية ملفات المنطقة. فتشير التطورات الميدانية والتسريبات السياسية إلى أن المرونة الإسرائيلية في غزة ولبنان جاءت في سياق خفض التوتر المكتوم مع واشنطن؛ إذ أدرج ترامب الزيارة على جدول أعماله بعد موافقة تل أبيب المبدئية على دخول قوة استقرار دولية إلى القطاع، والقبول بالانسحاب من نقاط حدودية في الجنوب اللبناني. لكن هذه المرونة الخارجية تطلبت موازنة سريعة في الداخل الإسرائيلي. فور مغادرة نتنياهو، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن توسيع العملياتالعسكرية في مخيمات الضفة الغربية ورفض قرار إبعاد مستوطنين من نقاط استيطانية. في خطوة فُهمت على أنها تستهدف إرضاء شركاء الائتلاف الحاكم والتأكيد على أن المناورة الإقليمية لن تقتطع شيئاً من رصيد المشروع الاستيطاني. ولا تقتصر تعقيدات الزيارة على الميدان، بل تمتد إلى البيئة السياسيةالمتغيرة داخل واشنطن نفسها. فتزامن الزيارة مع مراسم تشييع السيناتور الراحل ليندسي غراهام بحضور ترامب ونتنياهو وزيلينسكي، يحمل دلالة ثقيلة. فالوقوف أمام جثمان أحد أصلب صقور الحزب الجمهوري يسلّط الضوء على تآكل الحاضنة التاريخية لتل أبيب في الكابيتول هيل، وتراجع الدعم الشعبي للحرب، وتزايد الحذر من الصفقات الإقليمية المفتوحة. أظهرت محادثات البيت الأبيض المغلقة أن إدارة القوة لم تعد قراراً يُتخذ في تل أبيب وتتكفل واشنطن بدفع كلفته؛ بل أصبحت محكومة بواقع أميركي يضع كلفة التحالف وسقوفه السياسية تحت المجهر.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top