
بقلم غنوى ابوضاهر
ليس أقسى من شمس تموز وآب إلا أن يواجهها اللبناني بلا كهرباء. ففي الوقت الذي تبحث فيه الشعوب عن وسائل للراحة في ذروة الصيف، يخوض اللبناني معركةً يوميةً مع الحر والعتمة، في مشهدٍ بات يجسّد حجم الانهيار الذي يطال أبسط حقوق الإنسان. لم تعد أزمة الكهرباء مجرد انقطاعٍ في التيار، بل أصبحت عنوانًا لفشلٍ مزمنٍ يدفع المواطن ثمنه من صحته وماله وكرامته.تحت أشعة الشمس الحارقة، تتحول المنازل إلى أفرانٍ مغلقة، وتصبح ساعات النهار اختبارًا قاسيًا لقدرة الناس على الاحتمال. الأطفال يلهثون من شدة الحر، وكبار السن يواجهون خطر الإجهاد الحراري، والمرضى يعيشون قلقًا دائمًا مع كل انقطاعٍ جديد، بينما يتحول الليل إلى ساعاتٍ طويلةٍ من الأرق والاختناق، بعدما غابت أبسط وسائل التبريد عن آلاف المنازل.العتمة لم تعد تسرق الضوء فحسب، بل أصبحت تسرق الحياة نفسها. فالمياه تنقطع بسبب توقف المضخات، والمواد الغذائية تفسد داخل البرادات، والأدوية الحساسة تصبح مهددةً بالتلف، فيما تتعطل الأعمال والاتصالات والإنترنت، وتتوقف تفاصيل الحياة عند كل انقطاعٍ للتيار. إنها سلسلةٌ متواصلةٌ من الخسائر يدفع ثمنها المواطن وحده، في وقتٍ تتنصل فيه الدولة من مسؤولياتها.وفي الأسواق، يدفع أصحاب المحال التجارية والمطاعم والمؤسسات الإنتاجية فاتورة انهيار قطاع الكهرباء. فالمولدات الخاصة، التي كان يُفترض أن تكون حلًا مؤقتًا، تحولت إلى شريانٍ إجباريٍّ مكلفٍ يلتهم الأرباح ويرفع كلفة الإنتاج، لتنعكس هذه الأعباء مباشرةً على الأسعار التي يدفعها المواطن. وبين ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع القدرة الشرائية، أصبحت الاستمرارية في العمل معركةً يوميةً من أجل البقاء.أما القطاع الصحي، فيقف على حافة الخطر مع كل ساعة تقنين. فالمستشفيات والمراكز الطبية تعتمد على المولدات لضمان استمرار عمل غرف العمليات وأجهزة العناية الفائقة، لكن أي عطلٍ أو نقصٍ في الوقود قد يحول أزمة الكهرباء إلى تهديدٍ مباشرٍ لحياة المرضى، في مشهدٍ لا يليق بوطنٍ يُفترض أن يحمي أبناءه، لا أن يتركهم أسرى الأزمات.اقتصاديًا، تدفع البلاد ثمن سنواتٍ طويلةٍ من الإهمال وسوء الإدارة. فلا مستثمر يغامر بأمواله في بلدٍ تغيب عنه الكهرباء، ولا صناعة تستطيع المنافسة وسط كلفة تشغيلٍ مرتفعة، ولا سياحة يمكن أن تستعيد ازدهارها في ظل بنيةٍ تحتيةٍ متهالكة. ومع كل يومٍ يمر، تتراجع فرص العمل، وتغلق مؤسساتٌ أبوابها، وتتسع دائرة الفقر، فيما تستمر الهجرة بحثًا عن حياةٍ أكثر استقرارًا.والمؤلم أن هذه المأساة ليست قدرًا، بل هي نتيجة عقودٍ من الوعود التي لم تُنفذ، والخطط التي بقيت حبرًا على ورق، والإصلاحات التي اصطدمت بالمصالح السياسية. وبين التصريحات المتكررة والواقع المرير، بقي اللبناني يدفع فاتورتين للكهرباء، فيما يعيش في الظلام معظم ساعات اليوم.اليوم، لم يعد اللبناني يطالب بالكماليات، بل يطالب بحقٍّ بديهيٍّ تتمتع به معظم شعوب العالم. فالكهرباء ليست امتيازًا تمنحه الدولة متى تشاء، بل حقٌّ أساسيٌّ يرتبط بالحياة والصحة والعمل والاقتصاد والكرامة الإنسانية.لقد آن الأوان لوقف سياسة الترقيع، والانتقال إلى إصلاحٍ حقيقيٍّ يعيد لهذا القطاع نبضه، لأن استمرار العتمة لم يعد مجرد أزمة خدمات، بل أصبح جريمةً بحق وطنٍ وشعبٍ يستحقان الحياة.فلبنان لا تحرقه حرارة الصيف وحدها، بل تحرقه سنواتٌ من الفشل والإهمال. وما دام النور غائبًا عن البيوت، سيبقى السؤال الذي يردده كل لبناني بلا جواب: إلى متى سيبقى هذا الوطن أسير العتمة؟
