في 4 آب.. حين يزهر الحب من الركام

بقلم الياس عيسى الياس
 
من قلب الركام الذي خلّفه انفجار بيروت، ولدت قصةٌ تحاكي قدرة الروح على التحدي. التقت دروب وليام نون بـ ماريا فارس؛ لم يكن تقاطعهما حدثاً عابراً، بل كان التئاماً لجرحين.
 
هو الشقيق المفجوع بأخيه البطل “جو”، وهي شقيقة الشهيدة المسعفة في فوج الإطفاء “سحر فارس”. وفي وطأة الحداد والمطالبة بالعدالة، لم يجمع بينهما الغضب وحده، بل نبتت قصة حب شجاعة أثبتت أن هذه المدينة مازالت تجيد ولادة الأمل، وأن الراحلين تركوا في أيدي الأحياء جمرة الوفاء.
 
هذه القصة الإنسانية تقودنا مباشرة إلى قلب المأساة، حيث تحلّ الذكرى السادسة لأحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ. تحاول العقارب التحرك إلى الأمام، وتظل الأرواح معلقة هناك.. عند قرابة السادسة وثماني دقائق.
 
في تلك اللحظة بالذات، كنتُ في شمال لبنان، ولفتتني شاشة التلفاز وهي مضاءة على غير عادتها. تفاجأت بأولى خيوط الدخان المتصاعد من المرفأ، ولم يطل المشهد حتى تجلّى الحجم المرعب للحدث.
 
ناديتُ زوجتي برهبة: “رانيا.. تعالي وانظري، هناك خطب كبير في بيروت!”. لم يكتمل الرعب إلا مع الاتصال الملهوف من عائلتها في “الجديدة” بالمتن؛ هناك، اهتز المبنى بمن فيه، ليدرك الجميع أن ما جرى لم يكن انفجاراً عادياً، بل زلزالاً أصاب لبنان كله.
 
في ذلك المساء، لم تكن الـ 2750 طناً من نيترات الأمونيوم المكدسة مجرد مادة كيميائية، بل كانت صاعقاً خطف أكثر من 220 شهيداً في غمضة عين. وجوهٌ كانت تعرفها الأزقة، وأبطالٌ من فوج الإطفاء هرعوا لإطفاء الحريق فاحتوتهم الكارثة كجو وسحر.
 
كما خطف الانفجار أرواحاً كانت في منازلها ومكاتبها، ومن بينهم جوزف روكز، والعشرات غيرهم ممن تركوا خلفهم بيوتاً غارقة في الصمت.
 
ولأن الجرح لم يلتئم، فإن أي خبر يرتبط بهذه المادة يعيد اللبنانيين فوراً إلى اللحظة الأولى. هذا ما تجدد مؤخراً عقب التقارير التي نقلت عن قوات”اليونيفيل” عثورها على نحو 4 آلاف كيلوغرام من نيترات الأمونيوم داخل385 حاوية في بلدة حولا الحدودية.
 
ووفق تلك المعطيات، فإن بعض الحاويات كان يحمل كتابات عبرية ويُرَجّح استخدامه في عمليات الهدم، ما أعاد إلى الواجهة أسئلة يطرحها أهالي الضحايا حول ضرورة التحقق من طبيعة هذه المواد ومصدرها.
 
أمام هذه التطورات الميدانية، واصلت عائلات الضحايا—وفي مقدمتهم وليام والمحامية سيسيل روكز—المطالبة بإجراء تدقيق علمي وفحوصات مقارنة للمواد المضبوطة، علّها تفتح خيطاً للحقيقة في ظل استمرار تأخر صدور القرار الاتهامي.
 
وفي المقابل، نفي الجيش الإسرائيلي عبر بيانات رسمية أي صلة له بانفجارالمرفأ، موضحاً أن مواد النيترات المضبوطة جنوباً أُدخلت لتدمير بنى تحتية تابعة لحزب الله.
 
بين الميدان المشتعل والقضاء المعطل، تبقى قيمة هذه الذكرى في ذلك الوفاء الإنساني المستمر. إن قصة حب وليام وماريا، وصمود العائلات أمام الحصانات، ليسا مجرد مشاعر عابرة، بل هما فعل مقاومة بوجه النسيان. فالنسيان هنا هو التنازل الأخير عن إنسانيتنا.
 
سنضيء الشموع في 4 آب ليس لنستذكر الموت، بل لنؤكد أن العدالة أمانة في أعناق الأحياء، ولن يكتمل نصاب الوطن حتى تشرق الحقيقة كاملة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top