
بقلم نزار شاكر
تصدير: يفكك هذا النص فلسفة الجغرافيا السياسية وتقاطعاتها في المشهد اللبناني دون تبني موقف سياسي، تاركاً مساحة المقاربة للقارئ، مع تقديم قراءة تحليلية راجحة للمسارات المحتملة.
تفكيك المشهد وقراءة التقاطعات
تُقاس التحركات الدبلوماسية بالخيارات الاستراتيجية التي تفتحها للفاعلين، لا بحجمها اللحظي فحسب. وفي الحادي والعشرين من أيار/مايو 2026، أثارت تفاصيل الوقفة البروتوكولية أمام ضريح أتاتورك في أنقرة تساؤلات جادة حول طبيعة التوجهات السياسية اللبنانية المستجدة؛ حيث تقف بيروت في تقاطع إقليمي معقد، يفرض عليها البحث عن أطر أمان متجددة عقب التصعيد العسكري المتقطع جنوباً في نيسان/أبريل 2026، وتزايد التحديات الأمنية على الحدود الشرقية.
لم يعد لبنان مجرد مساحة جغرافية تعبر من خلالها رسائل الإقليم، بل يبدو أنه يخوض محاولة للتحول إلى “عقدة تفاوض”. فبين التوتر جنوباً والتوجس شرقاً، تتقاطع المسارات بين بيروت وأنقرة والرياض ودمشق في هندسة رعاية متعددة الأطراف، تضع ملفات الحدود، والأمن، وغاز المتوسط، والتعافي الاقتصادي المتصل بنيوياً بالاستقرار المعيشي والمالي على طاولة واحدة.
وبحسب ورقة “Lebanon Between Gulf Conditionality and Turkish Security Umbrella” الصادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط بتاريخ 9 حزيران/يونيو 2026 للباحث أرون شتاين، فإن «بيروت تتحرك في فضاء يتطلب دبلوماسية متعددة المظلات؛ حيث لم يعد خيار التحالف الأحادي ممكناً، بل أصبحت الضرورة هي تشبيك العلاقات مع تركيا والخليج وأوروبا للتحوط ضد المخاطر».
فيما لفت المحلل السياسي د. خطار أبو دياب في مداخلة على شاشة سكاي نيوز عربية بتاريخ 18 حزيران/يونيو 2026 إلى أن «المنطقة دخلت مرحلة إدارة الأزمات المفتوحة؛ إذ تسعى الدول لبناء هوامش مناورة تمنع الانهيار الكامل دون القفز إلى تسويات نهائية».
بروتوكول الرسائل.. أبعاد الرمزية وحدود إعادة توزيع الأدوار الإقليمية
تراوحت تفاصيل الاستقبال في أنقرة يوم 21 أيار/مايو 2026 بين الرمزية الأتاتوركية والتحية العسكرية بعبارة “مرحبا عسكر”، وصولاً إلى التذكير بـ “نموذج الدولة والمؤسسات”. وتُقرأ هذه الإشارات الدبلوماسية وفق اتجاهين تحليليين:
الاتجاه الأول: يرى في التركيز على الرمزية العسكرية رسالة دعم لمرجعية الدولة المركزية وحصرية السلاح في مواجهة الكيانات الموازية، خاصة مع تزايد متطلبات ضبط الحدود.
الاتجاه الثاني: ينظر بحذر إلى هذا الانفتاح، متسائلاً عما إذا كان يمثل تمهيداً لنفوذ إقليمي متجدد قد يتجاوز التوازنات التاريخية الحاكمة للمشهد اللبناني.
وفي عمق هذا المشهد، يتجاوز البعد البروتوكولي فكرة دعم “شرعية المؤسسات” ليلامس فرضية تبادل الأدوار الإقليمية؛ حيث تتقدم المظلة التركية لملء جزء من الفراغ الذي خلّفه تراجع الدور الفرنسي التاريخي والتردد الأوروبي في تقديم الدعم المالي واللوجستي المستدام للمؤسسة العسكرية اللبنانية، مما يطرح تساؤلات عملية حول الجهات القادرة على تحمل كلفة تمويل وصيانة آليات الجيش وتدريب عناصره في المرحلة المقبلة.
ويشير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في ورقة تقدير موقف بعنوان “Erdogan’s May 2026 Outreach: Testing New Allies” الصادرة في 30 أيار/مايو 2026 للباحثة سونر جاغابتاي إلى أن «الزيارات البروتوكولية ذات الطابع العسكري تُستخدم تركياً لتأكيد شراكات دولية مع المؤسسات الرسمية، لكن مدى ترجمتها ميدانياً يظل رهيناً بالتوافقات الضمنية مع القوى الإقليمية الأخرى».
وهنا يكمن الحسم التحليلي: تدعم المعطيات الفرضية القائلة بأن الاندفاعة التركية نحو المؤسسة العسكرية اللبنانية تتجاوز البعد البروتوكولي، لتشكل مقاربة استراتيجية واعية تدرك أن الاستثمار في شرعية الدولة المركزية هو الممر الإلزامي الوحيد لتثبيت حضور مستدام في بيروت، بعيداً عن الصدامات الحتمية مع الخصوصيات الطائفية اللبنانية.
الجنوب و”صيغة الإطار”.. تقاطعات غاز المتوسط وعقيدة “الوطن الأزرق”
يحمل التدخل الدبلوماسي التركي في ملف الجنوب أبعاداً تتجاوز مفهوم الوساطة التقليدية أو ترتيبات “اليوم التالي لليونيفيل” المقررة آفاقها بحلول عام 2027. فخلف كواليس الحسابات المرتبطة بممرات الملاحة وأمن شرق المتوسط، يبرز صراع المعادلات البحرية وتأثيره المحتمل على استقرار ملف التنقيب عن الغاز الذي تعول عليه الخزينة اللبنانية.
يتوزع المشهد الجنوبي بين مسارين تفسيريين:
استثمار الثقل التركي: لدعم “صيغة الإطار” ومنع التفرد الميداني، مستنداً إلى رغبة تركيا المعلنة خلال قمة أنقرة-بيروت في أيار/مايو 2026 بالمساهمة في إعادة الإعمار وملء فراغ الانسحابات الدولية المحتملة.
المخاطرة بالتقاطع مع القوى الدولية الإقليمية: إذ قد يثير الدور التركي تنبهاً حاداً لدى أطراف أورومتوسطية كفرنسا وقبرص واليونان، التي تخوض صراع نفوذ مزمن مع أنقرة في ملف غاز المتوسط.
ومن هذا المنظور الاستراتيجي، قد لا ترى أنقرة في بيروت مجرد شريك تجاري، بل منفذاً حيوياً على شاطئ شرقي، في ظل التنافس الأوروبي-التركي على ترتيبات شرق المتوسط. بالتالي، فإن الحفاظ على توازن الاستقرار في لبنان يمثل حاجة مشتركة؛ فلا يمكن فصل المعادلات البحرية التركية عن موانئ الشاطئ الشرقي، كما لا يمكن فصل استقرار بيروت عن حركة التنافس الأورومتوسطي.
ويرى تقرير مجموعة الأزمات الدولية (Crisis Group) بعنوان “The Southern Lebanon Tinderbox: Preventing a 2026 Escalation” الصادر في 5 حزيران/يونيو 2026، أن «طرح أطر تنسيق دبلوماسية ثلاثية يستهدف رفع كلفة المواجهة العسكرية»، بينما تلفت ورقة مركز الجزيرة للدراسات الصادرة في 14 أيار/مايو 2026 تحت عنوان “غاز شرق المتوسط 2026” إلى أن «بيروت تسعى للسير على حبل مشدود بين تفاهمات تضمن استخراج حقوقها من النفط والغاز، والتزامات لا تغضب الشركاء الأوروبيين».
الحدود الشرقية ووساطة “لقاء الشرع”.. أمن الممرات وآفاق “طريق التنمية”*
انتقل ملف العلاقات اللبنانية-السورية من الأطر الثنائية التقليدية إلى مسار ثلاثي تدخل فيه أنقرة كوسيط ومسهّل، على خلفية التوترات الأمنية وحوادث التهريب في البقاع الشرقي نهاية نيسان/أبريل 2026.
تتجاذب هذا المسار فرضيتان تحليليتان:
الفرضية الأولى (شبكة أمان): تفترض أن الوساطة تحجم التداخل غير المنسق، وتؤطر ملف ضبط الحدود، ومكافحة التهريب، والترسيم البري والبحري ضمن ضمانات إقليمية وازنة، مما ينعكس إيجاباً على عصب الاقتصاد الداخلي وحماية السلع الأساسية.
الفرضية الثانية (توجس سيادي): تحذر من أن الوساطة الثلاثية قد تؤدي إلى إرجاء ملفات شائكة وحساسة مثل “العودة الآمنة للنازحين”، أو تضع القرار الحدودي ضمن مقايضات التوافقات الإقليمية الكبرى.
لكن المضمون الأبعد لمبدأ “لقاء الشرع” برعاية أنقرة يتجاوز تفكيك الألغام الأمنية المباشرة، ليتطابق مع تطلعات ربط الجغرافيا اللبنانية بـ “طريق التنمية” الإقليمي الصاعد (الممتد من الخليج والعراق نحو تركيا وأوروبا)، ومحاولة إيجاد شريان بري مستدام يربط بيروت بالعمق الإقليمي عبر دمشق وأنقرة لتعويض الانكفاء الاقتصادي البحري.
وينقل الكاتب أمين قمورية في مقاله “الحدود كخط أحمر جديد” المنشور في موقع درج بتاريخ 10 حزيران/يونيو 2026، أن «الوساطة التركية تستهدف جعل الحدود منطقة استقرار حيوية»، مع بقاء التساؤل حول مدى قدرة هذا المسار على تجاوز الحساسيات التاريخية المرتبطة بملفات السيادة بين بيروت ودمشق.
الموقف السعودي والمعادلة الداخلية.. من “اقتصاد الرعاية” إلى “شراكة الإصلاح”
على الضفة الخليجية، تتسم السياسة السعودية تجاه لبنان بالوضوح المنهجي؛ فعملياً، لم يعد السلوك الدبلوماسي السعودي تجاه لبنان يرتكز على قواعد الماضي، إذ تُظهر المؤشرات والتحركات الأخيرة انتقالاً كاملاً من “اقتصاد الرعاية السياسية التقليدية” إلى معادلة جديدة قوامها “ربط الدعم بالمؤشرات الإصلاحية البنيوية”.
يضع هذا التحول شروطاً إجرائية لفتح معبر المساعدات والتعافي المالي، تتمثل في تشكيل حكومة إصلاحية موثوقة، وإقرار قوانين مالية صارمة كـ “الكابيتال كونترول”، وتوحيد سعر الصرف، وتثبيت حصرية القرار الأمني بيد الدولة. في المقابل، تحاول القوى اللبنانية (عبر تنسيق مستمر بين بعبدا وعين التينة) إدارة هذه الشروط عبر موازنة دقيقة بين متطلبات الدعم الدولي وصيانة التوازنات التشريعية والسياسية الحامية للاستقرار الداخلي.
وفي تقدير الموقف: تشير المؤشرات إلى أن فرض صيغة “تسكينية” ترقيعية يبدو محدوداً هذه المرة؛ إذ إن الصرامة الهيكلية التي تبديها الرياض تؤشر إلى تحول جذري في قواعد الاشتباك المالي، مما يجعل أي محاولة لبنانية للالتفاف على الإصلاحات الهيكلية بمثابة تمديد غير معلن للعزلة المالية والانسداد الاقتصادي.
وفي هذا السياق، لا يمكن عزل هذه الحسابات اللبنانية عن التحول الإقليمي البارز المتمثل في المؤتمر والقمة الثلاثية التي عقدت في المملكة العربية السعودية في آب/أغسطس 2026، وأفضت إلى التوجه نحو توقيع اتفاقية دفاع مشترك وشراكة استراتيجية بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد؛ وهي خطوة تؤسس لانعكاسات واضحة على ميزان القوى داخل الساحة اللبنانية من خلال توفير شبكة أمان مركبة، حيث يتحول التنسيق التركي-السعودي الناشئ من صيغة “تنافس الأدوار” إلى “تكامل الضغوط والتوازنات”، مما يسحب فتيل الاستقطاب الإقليمي التقليدي ويفرض على القوى الداخلية اللبنانية التكيف مع مناخ التوافقات الكبرى الممتدة من الخليج إلى الأناضول.
كوابح المسار ومحددات التعثر أو التقدم
تظل جميع الهندسات والمعادلات الإقليمية المعروضة مقيدة بمجموعة من الكوابح الموضوعية التي تملك القدرة على تغيير اتجاه البوصلة، وترتبط مباشرة بالواقع اليومي والمالي:
ميزان الضبط الميداني: مدى قدرة التفاهمات الإقليمية على كبح الانزلاقات العسكرية المفاجئة على الحدود الجنوبية، وضبط خطوط التماس الأمنية شمالاً وشرقاً، لما لها من انعكاسات فورية على استقرار أسواق الصرف والثقة الاقتصادية.
إيقاع التشريع المؤسسي: قدرة البيئة اللبنانية الداخلية على الاستجابة الحقيقية لمقتضيات الإصلاح الهيكلي والمصرفي قبل نهاية عام 2026 دون الوقوع في الشلل الدستوري.
درجة التوافق بين العواصم: قدرة خطوط التواصل الضمني بين أنقرة والرياض ودمشق على منع تصادم المصالح المباشر في ملفات الطاقة، النفوذ، وأمن الحدود.
من صندوق بريد إلى هندسة الممرات
يقف لبنان أمام خارطة خيارات متقاطعة تتجاور فيها المظلة الأمنية التركية الصاعدة، والشروط الإصلاحية السعودية الحازمة، والتوازنات الحذرة على الحدود وفي الداخل. ويضع هذا المشهد لبنان أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة: مسار التقاطع الإيجابي (استثمار الدبلوماسية للإصلاح والتعافي)، مسار إدارة الأزمة الراهنة (الاستمرار في المساحة الرمادية)، أو مسار الانزلاق نحو الفراغ والعزلة مجدداً.
وإذا كان المشهد مفتوحاً على الاحتمالات كافة، فإن القراءة المتأنية لموازين القوى ترجح سيناريو “إدارة الأزمة” (Status Quo) على المدى المنظور. فلبنان لن يذهب نحو انهيار هيكلي شامل نتيجة شبكة الأمان التي تحاول أنقرة وعواصم إقليمية حياكتها لمنع الانفجار، لكنه في الوقت عينه قد يعجز عن القفز إلى “التقاطع الإيجابي” الكامل بسبب بطء التكيف التشريعي الداخلي مع الشروط الخليجية الصارمة.
في النهاية، يكتشف لبنان أن معضلته التاريخية لم تعد محصورة في كونه “صندوق بريد” تعبره الرسائل، بل في كونه “ملتقى طرق” تعبره المشاريع الإقليمية الكبرى. وتظل العبرة في مدى قدرة الهيكل اللبناني على بناء مرونة كافية تمنع تحوله إلى ساحة تصفية حسابات بين المشاريع الإقليمية الصاعدة والجمود الدولي، قبل أن يسبقه إيقاع التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
