حين يُصدّق الفعلُ القول: من جواب الرشيد إلى صدمة أيلول 2024

بقلم الياس عيسى الياس

هناك لحظات في التاريخ تترقب فيها الشعوب بأنفاس محبوسة كلمة واحدة من قائد أو حاكم؛ كلمة تختصر الموقف وتحدد مصير الحرب والسياسة. وفي الثقافة العربية، تسود قاعدة بسيطة يعرفها الناس: الأفعال هي التي تصدق الأقوال لا العكس.

فحين تقتصر العبارة على التهديد الشفهي تبقى مجرد كلام، لكن عندما يقترن القول بالعمل السريع، تتحول الكلمة إلى سيف قاطع.

هذه المفارقة هي ما يجمع بين حكاية تاريخية شهيرة وأحداث قاسية شهدها لبنان في أيلول 2024، مع فارق جوهري في القدرة والنتائج يضع مصداقية الردع الشفهي أمام اختبار حقيقي.

نعود بالزمن أكثر من اثني عشر قرناً، وتحديداً إلى عام 187 هـ / 803 م. كانت الدولة العباسية، وعاصمتها الفعلية آنذاك الرقة حيث يقيم الخليفة هارون الرشيد، في ذروة نفوذها.

وكان البيزنطيون يدفعون جزية سنوية لقاء استتباب السلام على الحدود. لكن حين أُزيحت الإمبراطورة إيريني في انقلاب قاده نبلاء بيزنطة ونصّبوا الإمبراطور نقفور الأول، أراد الأخير إثبات قوته واستعراض استقلاليته على الأرجح، فأرسل إلى الرشيد رسالة شديدة اللهجة، نقلت المصادر التاريخية نصها بروايات متقاربة:

«من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب؛ أما بعد، فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أضعافه إليها، وذلك لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وإلا فالسيف بيننا وبينك.»

عندما قُرئت الرسالة على هارون الرشيد، غضب غضباً شديداً.

لم يستشر ولم يفاوض ولم يكتفِ بإطلاق الخطب الردعية، بل دعا بدواة وقلم، وكتب على ظهر رسالة نقفور ما نصه:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم؛ قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمعه، والسلام.»

ولم تبقَ عبارة الرشيد كلاماً؛ فبحسب ما تنقله كتب التاريخ، سار من يومه نحو بلاد الروم حتى حاصر «هرقلة»، فطلب نقفور الموادعة والتزم بجزية سنوية.

صحيح أن نقفور نقض العهد بعد عودة الرشيد إلى الرقة، لكن القول في تلك المحطة جاء مطابقاً للفعل، لأن القدرة والمبادرة كانتا حاضرتين بوضوح.

وبعد اثني عشر قرناً ونيّف، عاد المعنى نفسه تقريباً على لسان الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله.

ففي 19 أيلول 2024، وعقب تفجيرات أجهزة الاتصالات اللاسلكية يومي 17 و18 أيلول التي أحدثت إصابات واسعة وذهولاً أمنياً، أطل نصرالله في كلمة متلفزة، متوعداً بـ«حساب عسير» و«قصاص عادل»، ومؤكداً أن الرد سيُرى ولا يُسمع.

ومن شاهد الكلمة يومها بدا له نصرالله متعباً على غير عادته؛ فقد امتزج في نبرته التحدي بثقل الفاجعة الأمنية والاستخبارية التي ضربت بنية تنظيمه ومحيطه.

لا دليل على أن نصرالله استحضر جواب الرشيد عمداً، فعبارة «الجواب ما تراه» جارية على ألسنة العرب مجرى المثل.

لكن القارئ يجمع بين الصيغتين تلقائياً، ومن هنا يبدأ الامتحان: ماذا يقول التاريخ عن وعيد لا يسنده الميدان؟

في تجربة العباسيين، كان الطرف الذي يتوعد هو دولة إمبراطورية تمتلك السيادة والقدرة الكاسحة على المبادرة والتنفيذ.

أما في حالة أيلول 2024، فالطرف المتوعد هو تنظيم غير دولتي يخوض مواجهة مفتوحة ضد إسرائيل التي تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً واستخباراتياً هائلاً.

قد يرى البعض أن الغموض وعدم تحديد الزمان والمكان يُعدّان جزءاً من تكتيكات الردع والحروب النفسية لكسب الوقت وإرباك الخصم؛ لكن هذا الاعتراض يصطدم بمرتكزات الردع الأساسية: فالردع الحقيقي لا يقوم على غموض الوعيد فحسب، بل يتطلب مصداقية تجمع بين القدرة المثبتة والإرادة المعلنة وسجلّ سابق في الوفاء بالوعيد.

وحين تواصل إسرائيل هجماتها، يفقد التهديد الشفهي فاعليته ويتحول إلى عبء إعلامي يضعف مصداقية الوعيد اللاحق.

وقد جاءت الوقائع لتؤكد ذلك. ففي 20 أيلول اغتالت إسرائيل إبراهيم عقيل وعدداً من قيادات «قوة الرضوان» في الضاحية الجنوبية لبيروت.

وفي 22 أيلول أعلن «حزب الله» قصف قاعدة «رامات ديفيد» ومجمعات شركة «رافائيل» للصناعات العسكرية قرب حيفا، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه اعترض معظم الصواريخ.

وفي 23 أيلول أطلقت إسرائيل حملة غارات مكثفة أدت إلى سقوط مئات الضحايا ونزوح واسع، وبلغ التصعيد ذروته في 27 أيلول باغتيال نصرالله نفسه في حارة حريك، لتبدأ بعدها عمليات توغل بري ومواجهات واسعة.

ورغم أن الرد لم يغب كلياً، فإن مستواه لم يوازِ الحجم الذي أوحت به نبرة الخطاب ولا حجم الضربة التي تعرّض لها.

إن العبرة من المقارنة لا تكمن في استعادة الألفاظ التاريخية، بل في الفارق بين الوعيد المستند إلى الاقتدار الشامل، والوعيد الذي يصدر من موقع الانكشاف الميداني.

وبعد عامين من تلك الأحداث، يبقى السؤال حاضراً في لبنان والمنطقة: كم من الوعود العلنية ما زال ينتظر أن يصير فعلاً، وكم منها صار عبئاً ثقيلاً على أصحابه؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top