علي الطاهر بين منطق الدولة وخطر تكرار الخيارات المكلفة … ومراد بحذر من السيناريو الأسوأ

بقلم ملاك الصميلي

تتجه الأنظار إلى ملف تلة علي الطاهر، في ظل معلومات صحافية تتحدث عن طلب أميركي يتعلق بالمنشأة، بالتوازي مع استمرار الاتصالات والمفاوضات حول الوضع في الجنوب. ويطرح هذا التطور مجددًا السؤال حول الخيارات المتاحة أمام لبنان: هل تتم معالجة الملف من خلال الدولة اللبنانية والجيش، أم يصبح مدخلًا إلى مواجهة عسكرية جديدة وكلفة إضافية لا يحتاج إليها الجنوب؟

وفي هذا السياق، رأى الدكتور علي مراد، في حديث لـ”ديمقراطيا نيوز”، أن ملف تلة علي الطاهر لا يمكن فصله عن التجارب السابقة في الجنوب، وطريقة التعامل مع ملفات أمنية وعسكرية مماثلة، بدءًا من الخيام وصولًا إلى بنت جبيل وغيرها، حيث كان المطلوب دائمًا الموازنة بين ما هو مأمول وما هو ممكن، وبين الشعارات والنتائج الفعلية التي يمكن تحقيقها.

وقال مراد إن الخيار الأفضل في ملف علي الطاهر هو العودة إلى الدولة، عبر وضع المنشأة في عهدة الجيش اللبناني، بعيدًا عن منطق شمال الليطاني وجنوب الليطاني، لأن الأصل أن تكون المنشآت العسكرية وقرار استخدامها وقرار الحرب والسلم في يد الدولة ومؤسساتها الشرعية.

وأضاف أن المسألة لا تتعلق فقط بتفادي ضربة إسرائيلية، بل بمنع تكرار مسار يدفع فيه لبنان كلفة بشرية ومادية كبيرة، قبل أن ينتهي إلى نتيجة أسوأ مما كان يمكن تحقيقه منذ البداية من خلال الدولة.

واعتبر أن التجارب السابقة أظهرت أن الإصرار على معالجة هذه الملفات بمنطق المواجهة العسكرية، في ظل الاختلال الكبير في موازين القوى، قد يقود إلى خسائر إضافية من دون أن يؤدي بالضرورة إلى تحسين الموقع اللبناني أو حماية الأرض والمنشآت.

وفي ما يتعلق بقراءات النائب حسن فضل الله التي تضع معركة علي الطاهر ضمن توازن إقليمي أوسع يمتد من باب المندب إلى مضيق هرمز، قال مراد إن هذا النوع من المقاربات سبق أن جُرّب، وتبيّن أنه أقرب إلى بناء نظري لم يصمد أمام اختبار الوقائع وموازين القوى.

وأضاف أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت حدود الرهان على وحدة الساحات أو على تحويل لبنان إلى جزء من ميزان إقليمي واسع، فيما بقيت النتائج الفعلية تُقاس بما أصاب لبنان نفسه من خسائر وما استطاع أو لم يستطع تحقيقه على أرضه.

وعن الدور الأميركي في المفاوضات، قال مراد إن الولايات المتحدة تؤدي دور الوسيط، لكنها ليست وسيطًا محايدًا، وهذا أمر ليس جديدًا في تاريخ النزاع العربي الإسرائيلي. فمنذ مفاوضات السلام ومسارات التسوية المختلفة، كانت واشنطن القوة الدولية الأكثر حضورًا في التفاوض، وفي الوقت نفسه الطرف الأكثر قربًا من إسرائيل.

وأشار إلى أن هذا ظهر في محطات عديدة، من حرب عام 2006 إلى مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، وصولًا إلى المسارات التفاوضية التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة.

وأضاف: “لذلك، السؤال الأساسي ليس الرهان على أن تمارس واشنطن ضغطًا لا تريد أو لا تستطيع ممارسته، بل كيف يستطيع لبنان إعادة بناء أوراق قوته التفاوضية وتحسين موقع الدولة في أي مفاوضات مقبلة.”

ورأى مراد أن إسرائيل لا تبدو اليوم مستعجلة لإنجاح المسار التفاوضي، ولا تقدم حتى الآن ما يدل على استعدادها للقيام بخطوات سياسية جدية، لكن ذلك لا يلغي مصلحة لبنان في إبقاء باب التفاوض مفتوحًا والعمل على تحسين شروطه داخله.

وشدد على أن المشكلة الأساسية تكمن في استمرار الازدواجية في القرار اللبناني، ولا سيما في مسألة السلاح وقرار الحرب والسلم. فالدولة التي تفاوض من دون أن تمتلك بصورة كاملة القرار الأمني والعسكري تبقى قدرتها على المناورة والتفاوض محدودة.

وقال إن تحسين الشروط التفاوضية للبنان لا يتحقق بالشعارات، ولا بالعودة إلى تجربة عسكرية أثبتت حدودها، بل يبدأ بالخروج النهائي من ازدواجية القرار، وإعادة قرار السلاح والحرب والسلم والاستراتيجية الدفاعية إلى الدولة اللبنانية.

وعن تأثير ملف علي الطاهر على المسار التفاوضي، قال مراد إن المسألة يجب ألا تُختزل بالمنشأة نفسها، لأنها جزء من سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الجنوب وبقدرة الدولة على إدارة هذا الملف بصورة كاملة.

وأشار إلى أن إسرائيل لا تبدي حتى الآن استعدادًا واضحًا للانسحاب أو لتقديم تنازلات جدية، فيما تبدو قدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغط عليها محدودة. وفي المقابل، فإن ضعف قدرة الدولة اللبنانية على التفاوض يرتبط أيضًا بعدم امتلاكها كامل عناصر القرار الداخلي.

وأضاف أن المطلوب ليس تسليم أي موقع لأن إسرائيل تطلب ذلك، بل منع بقاء الجنوب رهينة منشآت وسلاح وقرارات تقع خارج سلطة الدولة، بما يحول كل موقع عسكري إلى ذريعة محتملة لحرب جديدة وإلى موضوع تفاوض يجري فوق رأس المؤسسات اللبنانية.

وختم مراد بالقول إن إعادة التوازن إلى المسار التفاوضي، بعد أن أظهرت التجربة العسكرية حدودها وكلفتها، تبدأ بإعادة القرار كاملًا إلى الدولة.

وقال: “المسألة ليست كيف نحمي منشأة من إسرائيل، بل كيف نمنع أن يبقى قرار مصير الجنوب رهينة منشآت وسلاح وقرارات لا تملكها الدولة. وما لم نستطع حمايته بمنطق الحرب، لا يجوز أن نصر على خسارته بالطريقة نفسها مرة أخرى.”

وأكد أن استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم والسلاح ليست تنازلًا لإسرائيل، بل هي شرط لاستعادة السيادة اللبنانية، وتقوية موقع لبنان التفاوضي، ومنع تكرار الكلفة التي دفعها الجنوب واللبنانيون خلال السنوات الماضية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top