
بقلم غسان حلواني
لتقديم قراءة دقيقة لهذه الحرب، لا بد من تجاوز المنطق العسكري الضيق إلى أبعاد استراتيجية وسياسية واجتماعية وحضارية. تشير مجمل التحليلات الصادرة عن مراكز الأبحاث، والتصريحات الرسمية، والدراسات الأكاديمية في علم الاجتماع السياسي، إلى أن هذه المواجهة لم تعد مجرد حرب تقليدية، بل تحولت إلى حرب استنزاف وصراع غير متماثل، وأن نهايتها المرجّحة لن تحمل فائزاً عسكرياً بالمعنى التقليدي، بل ستُسفر عن إخفاق استراتيجي لأمريكا، وانتصار سياسي “مُكلِف” لإيران، مع خسارة فادحة للاستقرار العالمي.
أولاً: على المستوى العسكري:
انتصار تكتيكي أمريكي مقابل طريق مسدود استراتيجي لا يمكن إنكار التفوق العسكري الأمريكي المطلق في الميدان:
الإنجازات التكتيكية لواشنطن، تمكّن الأسطول الجوي الأمريكي من توجيه ضربات موجعة للقدرات التقليدية الإيرانية، حيث دُمرت معظم منشآت التخصيب النووي، وتراجعت القدرات الصاروخية الباليستية، وتعطلت أجزاء كبيرة من سلاح البحرية الإيراني. تشير تقديرات مستقلة إلى أن البرنامج النووي الإيراني قُدّر بأنه تراجع نحو عقد كامل من الزمن.
إنّ أمريكا وقعت في “فخ التصعيد” (Escalation Trap)، وهو المفهوم الذي صاغه الباحث روبرت بيب من جامعة شيكاغو. فبعد 160 يوماً من القصف، لم تحقق واشنطن أياً من أهدافها الاستراتيجية الكبرى (كإسقاط النظام أو نزع السلاح بالكامل). بدلاً من ذلك، وجدت نفسها مضطرة لرفع وتيرة العنف باستمرار، مما يزيد التكاليف البشرية والمادية دون تحقيق اختراق حاسم.
النزيف العسكري الأمريكي:
تشير وثائق مسربة إلى استنزاف هائل في ترسانة البنتاغون، حيث استُهلك نحو 80% من صواريخ “ثاد” الاعتراضية، وحوالي 50% من صواريخ “باتريوت”، وما يقارب نصف مخزون صواريخ “توماهوك” المجنحة. هذا الهبوط الحاد في المخزونات دفع رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، إلى الإقرار -في تسريبات داخلية- بأن القصف الجوي وحده غير كافٍ، وأن على أمريكا البحث عن “مخرج”، وهو ما يُعد اعترافاً صريحاً بالجمود.
الرد الإيراني غير المتماثل:
إيران، إدراكاً منها لعجزها عن مجاراة أمريكا في حرب تقليدية، لجأت إلى استراتيجية “اللارجوع” القائمة على تشتيت القوات، وإخفاء القدرات الصاروخية في منشآت تحت أرضية، واستخدام وكلائها في اليمن ولبنان والعراق لفتح جبهات متعددة. الأهم من ذلك، أنها استثمرت في ورقة مياه مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية، محولةً إياه إلى رهان استراتيجي لا يمكن لأمريكا تجاوزه إلا بتكاليف باهظة.
ثانياً: على المستوى الاستراتيجي – لماذا فشلت أهداف أمريكا؟
الجائحة الحقيقية التي تواجهها واشنطن ليست في الميدان، بل في عدم قابلية أهدافها للتحقق على الأرض:
فجوة بين الهدف والواقع:
بدأت الحرب بهدف طموح يتمثل بـ “تغيير النظام” و”القضاء على النووي”، لكن مع مرور الأشهر، تقلص هذا الهدف إلى مجرد “إعادة فتح مضيق هرمز” أمام الملاحة. هذا التراجع في سقف الطموحات هو في حد ذاته مؤشر على الهزيمة الاستراتيجية. وفي صراع تعريف “النصر”، أمريكا تريد “استسلاماً” إيرانياً، بينما إيران تريد “بقاءً” فقط. في حروب العصر، من ينجو ويحافظ على تماسك مؤسساته يكون هو المنتصر. طالما أن النظام الإيراني صامد ولديه قدرة على الردع، فهو يخرج من الحرب منتصراً في روايته الداخلية.
الجغرافيا لا تُهزم:
حقيقة أن إيران تطل على الضفة الشمالية بالكامل لمضيق هرمز هي معطى جغرافي ثابت، لا يمكن لأي اتفاق أو قصف جوي أن يلغيه. لهذا يرى الباحث روبرت كاغان (من معهد بروكينغز) أن أمريكا باتت في موقف “لا تستطيع فيه عكس مسار الفشل ولا السيطرة على تداعياته”.
الضغوط الداخلية والسياسية:
الحرب لا تحظى بشعبية داخل الولايات المتحدة؛ تشير استطلاعات الرأي إلى أن 35% فقط من الأميركيين يؤيدون استمرارها، بينما يعتقد نصف الأميركيين (50%) أنها ستؤدي إلى مزيد من الفوضى في الشرق الأوسط. مع تكبد الخزانة الفيدرالية أكثر من 37.5 مليار دولار (حتى الآن)، وسقوط قتلى أمريكيين، بات البيت الأبيض تحت ضغط هائل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
ثالثاً: الأبعاد الاجتماعية والسياسية
الصراع الحضاري والتماسك الداخلي:
يرى بعض المحللين أن هذه الحرب تُعيد إنتاج فرضية “صدام الحضارات” لصامويل هنتنغتون، حيث تقف أمريكا علنا ً، ودول “الخمسة عيون” (التابعة للناتو الأنجلوسكسوني) بطريقة غير معلنة، في مواجهة مع قوة شرق أوسطية ذات مرجعية دينية وثقافية مختلفة. هذا البعد يجعل النزاع أكثر شراسة وأقل قابلية للتسوية.
الضغط الخارجي يعزز الداخل الإيراني:
خلافاً للتوقعات الغربية، لم تؤدِ الحرب إلى انهيار الداخل الإيراني، بل عزّزت التماسك الوطني مؤقتاً، وقلصت هوامش المعارضة، ووحّدت التيارات المتفرقة تحت راية “المقاومة ضد المعتدي”. هذا التحول الاجتماعي يجعل تحقيق هدف “تغيير النظام” مستحيلاً عبر القنابل.
انهيار هيبة “الشرطي العالمي”:
على المستوى الدولي، أظهرت الحرب أن قوة أمريكا ليست مطلقة، وخلقت “تأثيراً استعراضياً” خطيراً، حيث تراقب كل من الصين وروسيا وكوريا الشمالية هذا المشهد عن كثب لاستخلاص دروسه حول كيفية مواجهة القوة الأمريكية في المستقبل.
رابعاً: من هو المنتصر ومن هو الخاسر؟
بناء على هذه المعطيات، يمكن رسم
المشهد النهائي كالتالي:
على المستوى التكتيكي الميداني:
أمريكا هي المنتصرة، لأنها دمرت البنية التحتية العسكرية لإيران وأسقطت طائراتها وصواريخها.
على المستوى الاستراتيجي والسياسي:
أمريكا هي الخاسرة الكبرى، لأنها فشلت في تحقيق أي هدف جوهري، واستنزفت قدراتها، وأضفت شرعية على وجود إيران كقوة إقليمية لا يمكن تهميشها، ومنحت طهران نفوذاً على الملاحة العالمية لم تكن تملكه بهذه الصراحة قبل الحرب.
أما إيران، فهي المنتصرة “بنظام الخروج الآمن”، أو ما يمكن تسميته بـ “النصر الباهظ الثمن”. لقد دفعت ثمناً باهظاً في الأرواح والممتلكات، لكنها حافظت على كيانها السياسي، وأثبتت أن “عدم الهزيمة” هو شكل من أشكال النصر في العصر الحديث.
الخاسر الأكبر هما الشعبان الإيراني والأمريكي، إلى جانب الاستقرار العالمي، حيث أدت الحرب إلى مقتل آلاف المدنيين، وخلقت أزمة طاقة وموجات تضخم عالمية، وأغرقت المنطقة في دوامة عنف طويلة الأمد.
هذه الحرب تُجسّد حقائق العصر الجديد في الحروب، حيث لم يعد التفوق العسكري كافياً لترجمة النصر الميداني إلى مكاسب سياسية. أمريكا ربحت المعارك، لكنها تخسر الحرب في مجملها. بينما إيران، رغم دمارها، ستخرج من هذه المعركة كقوة صامدة، حصلت على اعتراف ضمني بقدرتها على تعطيل المصالح الغربية، وهو ما سيكون لها بالغ الأثر في ترتيبات الشرق الأوسط القادمة.
وفي النهاية، تبقى الشعوب هي الضحية الأبدية لهذه الصراعات التي لا تنتج إلا المزيد من عدم اليقين.
