
بقلم جوزاف وهبه
في لبنان، كلّ المواقع والمسؤوليّات – عند أوّل هبّة ريح – تأخذ شكلها الطائفي المذهبي المناطقي العائلي، في استعادة جاهزة لكلّ مدخرات القرون الوسطى، وما قبلها:مجرّد خلاف قانوني – دستوري بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع (صودف أنّهما من طائفتين مختلفتين) تحوّل (أو يُراد له أن يتحوّل) إلى منازعة وطنيّة:صور للوزير ميشال منسّى في جونيه..وتأييد شامل للرئيس سلام في الشارع السنّي!
ولكنّ واقع النزاع يتعدّى ذلك وسط كمٍّ من الأسئلة:مَن رفع صور منسّى في بيروت، وماذا يعني أن يكفكف وزير الدفاع دموعه (كم تأثر جميل السيّد جرّاء هذه الدموع، كما قال في مؤتمره الصحافي!)، وأن يعتذر من أمّهات وأهل شهداء الجيش، وأن يمتنع عن المشاركة في الجلسة الدوريّة للحكومة، مستبدلاً إيّاها بزيارة – أقلّ ما يُقال فيها أنّها شعبويّة – إلى قائد الجيش وكبار الضبّاط؟
نبدأ بالصور:هو التيّار الوطني الحرـ بالتأكيد – يلعب على حافّة المشاعر المسيحيّة التي تميل إلى اعتبار كفّة “قانون العفو” تميل إلى استرضاء الشارع السنّي.لنفترض كذلك، أليس من العدل أن يخرج من السجون مَن قضوا أكثر من 12 سنة دون محاكمة ولا استجواب ولا قضاء؟ ألم يكسب المسيحيّون – ربطاً بواقع الحال – العودة الحرّة للمواطنين الذين لجأوا إلى اسرائيل بعد تحرير الجنوب في العام 2000؟ يعني على الطريقة التقليديّة، فالقانون جاء “واحدة بواحدة”، فما الذي أزعج الوزير منسّى، ولماذا أراد الكلام طالما أنّ القانون صدر من مجلس الوزراء، ودرست بنوده اللجان المشتركة بحضور ممثلين عن الجيش، وسيناقش في مجلس النوّاب؟
مزايدات ودموع لا تمتّ إلى السياسة بصلة.شحن مجّاني للنفوس، علماً بأنّ الكتلة المسيحيّة الأكبر قد صوّتت لصالح القانون، ويسجّل في هذا السياق ما قالته النائب ستريدا جعجع:”ما أعرفه أنّه، بحسب الدستور اللبناني، فقط رئيس الحكومة هو الذي يحقّ له النطق بموقف حكومته”!
ماذا يعني أن يعتذر الوزير منسّى من أمّهات الشهداء، وهل في ذلك أنّ الرئيس سلام قد فرّط بهؤلاء الشهداء؟ وإذا كان يعتبر هذا فعلاً ما قد حصل، فكيف له أن يبقى يوماً واحداً في هذه الحكومة، جنباً إلى جنب مع “الخائنين”؟ أولم يلفت نظره أنّ الحزبين اللذين خرجا من الجلسة النيابيّة هما الأكثر تضرّجاً في “دماء الجيش اللبناني”؟
مَن تخلّى عن عشرات الجنود حين قصف الجيش السوري قصر بعبدا، وحين أضحى بأحسن العلاقات مع نظام الأسد: هل سأل يوماً عمّا حلّ بهؤلاء الجنود؟
مَن الذي اعتبر أنّ قاتل الضابط الطيّار سامر حنّا هو مجرّد “بريء” عاكست أشعة الشمس عينيه، ليس إلّا، فكان ما كان؟
من اغتال خيرة الضبّاط اللبنانيين، أمثال فرانسوا الحاج ووسام الحسن ووسام عيد؟ ومن تسبّب بمقتل الجنود جرّاء تفخيخ مستودع أسلحة في الجنوب، في الأمس القريب؟
“الدموع” لا تفي بالحاجة.ولا الإعتذار، ولا “الحرد” من الحكومة، ولا الزيارة غير البريئة، في التوقيت، إلى اليرزة.. فأن تكون وزيراً للدفاع يعني أن تتحمّل المسؤوليّات الوطنيّة، وليس أن تكون وزيراً تمثل فئة محدّدة من اللبنانيين.الوزارة حقيبة تعود إلى جميع اللبنانيين دون استثناء، أكانوا في طرابلس أو جونيه أو الضاحية والجنوب، أو الثكنات العسكريّة.والتفريق بين قتلة المدنيين وقتلة العسكر “مزحة سمجة”.عدا عن أنّ العفو يشمل عمليّاً جميع السجناء من جميع الطوائف، فلماذا اعتباره اعتداء طائفة على طائفة، أو اعتداء فئة من اللبنانيين على الجيش؟ وهل هذا التقييم السياسي يمكن له أن ينطبق على رجل من طينة نوّاف سلام؟
جبران باسيل وحزب الله وجميل السيّد قد استثمروا في “دموع” منسّى، وكان على معاليه أن يلجم هذا الإستثمار، لا أن يجاريهم في الإصطياد بالماء العكر. كان عليه أن يسجّل اعتراضه في مجلس الوزراء، وليس في أيّ مكان آخر.. هذا، في ألف باء العمل السياسي، وفي احترام أصول العمل الرسمي الحكومي.
ملاحظة أخيرة، وباللون الأحمر، لون دماء شهداء الجيش: فلنتذكّر جميعاً مَن وضع “الخطّ الأحمر” يوم كان الجيش يتعرّض للمذبحة من قبل “فتح الإسلام” في مخيّم البارد.. ولنتذكّر مَن اعطاه “الضوء الأخضر” في ظروف صعبة ومعقّدة: كان رئيس الحكومة سعد الحريري. دم الجيش “غالي” على الجميع، من الشيخ سعد..إلى القاضي سلام، أليس كذلك؟ فاعفونا، واعفوا هذا البلد الممزّق من بطولاتكم، ومن “نفاياتكم” الطائفيّة..
