الموت على الطرقات اللبنانية… حين يفشل السائق والطريق والقانون

بقلم إحسان الطبش

لم تعد حوادث السير في لبنان مجرد أخبار عابرة، بعدما تحولت الطرقات إلى مسرح متكرر لحوادث تحصد قتلى وجرحى، وتعيد في كل مرة طرح السؤال نفسه: لماذا لا تتراجع أرقام الحوادث والضحايا رغم حملات التوعية وقوانين السير؟

المشكلة لا تبدو مرتبطة بعامل واحد، بل تتداخل فيها سلوكيات مستخدمي الطرقات، وسلامة المركبات، وحالة الطرقات، إلى جانب مدى تطبيق القانون ووجود منظومة متكاملة للسلامة المرورية.

في حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، يرى رئيس ومؤسس جمعية “يازا” الدولية الدكتور زياد عقل أن سلوكيات مستخدمي الطرقات لا تزال من أبرز الأسباب المرتبطة بحوادث السير في لبنان، مشيراً إلى الإدمان على استخدام الهاتف أثناء القيادة، والسرعة الزائدة، والقيادة عكس السير، وعدم الالتزام بالإشارات الضوئية، إضافة إلى مخالفات نقل الحمولات، سواء للأشخاص أو للبضائع.

ويشير عقل إلى أن السرعة الزائدة كانت في السنوات الماضية من أبرز أسباب الحوادث، وربما السبب الأول والأكثر خطورة، إلا أنه يعتبر أن استخدام الهاتف أصبح اليوم في موقع متقدم، حتى باتت السرعة، برأيه، في المرتبة الثانية بعد الإدمان على استخدام الهاتف أثناء القيادة.

ولا يحصر عقل المخالفات بالسائقين، بل ينتقد أيضاً مخالفات ترتكبها جهات يفترض أن تكون معنية بتطبيق القانون، وفي مقدمتها بعض البلديات.

ويلفت إلى ما وصفه بأنه أمر غير مقبول في ما يتعلق بعمال بلدية سن الفيل، مشيراً إلى أن البلدية لديها شرطة بلدية يفترض بها تطبيق قانون السير، فيما يرتكب بعض عمالها مخالفات مرتبطة بالحمولات. كما يشير إلى بلدية بيروت وبلديات أخرى ترتكب مخالفات مماثلة.

ويؤكد أن البلدية، باعتبارها جهازاً معنيّاً بتطبيق القانون ولديها شرطة بلدية، لا يجوز أن تكون هي نفسها مخالفة لقانون السير. ومن هنا، يوجه عقل نداءً إلى بلدية بيروت وبلدية سن الفيل وسائر البلديات، داعياً إياها إلى تطبيق قانون السير على موظفيها وعمالها كما تطبقه على المواطنين، قائلاً إن القانون يجب أن يطبق على الناس وعلى الجهات المسؤولة عن تطبيقه في الوقت نفسه.

أرقام الحوادث… والحاجة إلى إحصاءات رسمية دقيقة

وفي ما يتعلق بأعداد الحوادث والضحايا، يشير عقل إلى أن شهري تموز وآب يسجلان عادةً أعلى نسب الحوادث والقتلى في لبنان، لكنه يفضل انتظار نهاية العام قبل إعطاء تقييم نهائي للأرقام.

ويشدد على أهمية أن تكون الإحصاءات الرسمية الصادرة عن قوى الأمن مضبوطة ودقيقة، لافتاً إلى أن بداية العام شهدت بعض التراجع في أعداد القتلى والجرحى، قبل أن تعود الأرقام إلى الارتفاع.

ورغم عدم اعتباره الطرقات العامل الأساسي في الحوادث، لا ينكر عقل وجود مشكلات فيها، مؤكداً أن الطرقات في لبنان ليست مثالية وأنها قد تتسبب أحياناً بحوادث.

وفي هذا الإطار، يشير إلى أن جمعية “يازا” تواصل مطالبتها وزارة الأشغال بالتحرك لمعالجة مشاكل الطرقات، لكنه يؤكد أن السبب الأبرز، من وجهة نظره، يبقى سلوكيات مستخدمي الطرقات.

كما يلفت إلى أن تراجع صيانة المركبات يشكل عاملاً إضافياً يزيد من سوء الوضع، إلى جانب المخالفات والسلوكيات الخطرة على الطرقات.

ويشدد عقل على ضرورة تطبيق قانون السير، معتبراً أن لقوى الأمن والجهات المعنية بتطبيق القانون، ومنها الشرطة البلدية، دوراً أساسياً في ذلك.

وفي المقابل، يؤكد أن المسؤولية لا تقع على السائق وحده، بل تشمل جميع مستعملي الطرقات في لبنان، داعياً كل شخص، أياً كان موقعه، إلى تحمل مسؤوليته، لأن السلامة المرورية مسؤولية مشتركة للمجتمع بأكمله.

غياب إدارة متكاملة للسلامة المرورية

من جهته، يضع مدير الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية كامل إبراهيم المشكلة في إطار أوسع، معتبراً أن القضية لا تتمثل فقط في وجود نقاط ضعف منفصلة في الطرقات، بل في غياب إدارة متكاملة للسلامة المرورية في لبنان.

وفي حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، يوضح إبراهيم أن حوادث السير ترتبط بثلاثة عناصر أساسية هي: الطريق، والمركبة، والعنصر البشري، وبالتالي فإن معالجة المشكلة تتطلب التعامل مع هذه العناصر مجتمعة.

وعلى مستوى الطرقات، يشير إبراهيم إلى أن الطرقات اللبنانية لا تُصمم، في كثير من الحالات، وفق معايير عالمية كافية لتحسين السلامة المرورية.

ويلفت إلى أن معظم أعمال صيانة وتأهيل الطرق، عندما لا تكون ضمن مشاريع جديدة، تقتصر غالباً على تسكير الحفر والتزفيت، من دون استكمال جميع مستلزمات السلامة المرورية.

ويضع ضمن أبرز نقاط الضعف غياب الإنارة، وضعف الرؤية ليلاً، إضافة إلى عدم توفر بعض العناصر الأساسية بالمستوى المطلوب، ومنها اللافتات المرورية والإشارات الضوئية التي يفترض أن تؤدي دورها بشكل فعّال في تنظيم حركة السير وتعزيز السلامة.

لكن إبراهيم لا يفصل مشكلة الطرقات عن تطبيق القانون، إذ يرى أن الطرقات غير الآمنة والمركبات غير الآمنة، إلى جانب ضعف تطبيق القانون والردع، تشكل مجتمعة مشكلة كبيرة في لبنان.

ويشير إلى أن القانون لا يشكل حالياً رادعاً بالقدر الكافي، في ظل عدم كفاية قيمة الغرامات، بحسب رأيه.

المعاينة الميكانيكية متوقفة منذ 2022

أما على مستوى المركبات، فيشير إبراهيم إلى أن لبنان يفتقد حالياً إلى آلية الفحص الدوري الرسمية، بعدما توقفت المعاينة الميكانيكية منذ عام 2022.

ويعتبر أن غياب المعاينة يعني عدم وجود آلية رسمية دورية للتأكد من السلامة الفنية للمركبات الموجودة على الطرقات.

وفي ظل ذلك، تبقى مسؤولية فحص المركبة مرتبطة بمبادرة المواطن إلى التوجه إلى ميكانيكي أو كراج للتأكد من حالتها، وخصوصاً الإطارات والفرامل والحالة الفنية للمركبة.

لكن هذا الفحص الفردي لا يشكل بديلاً عن المعاينة الرسمية، بحسب إبراهيم، الذي يشدد على ضرورة أن تكون المعاينة الميكانيكية إلزامية لجميع المركبات في لبنان.

ويشير إلى أن السيارات والشاحنات وغيرها من المركبات تسير اليوم من دون خضوعها للمعاينة الميكانيكية الرسمية، ما يشكل، برأيه، ثغرة أساسية في منظومة السلامة المرورية.

بين الطريق والمركبة والعنصر البشري

تكشف مواقف الخبيرين أن معالجة حوادث السير في لبنان لا يمكن أن تقوم على عامل واحد.

فزياد عقل يركز على سلوك مستخدمي الطرقات، من استخدام الهاتف والسرعة إلى مخالفات الحمولة والقيادة عكس السير وعدم الالتزام بالإشارات، مع التشديد على مسؤولية البلديات والجهات الرسمية في تطبيق القانون، وعلى مسؤولية جميع مستعملي الطرقات في الحفاظ على السلامة.

أما كامل إبراهيم، فيضع هذه السلوكيات ضمن منظومة أوسع تشمل الطريق والمركبة والعنصر البشري، محذراً من استمرار الطرقات التي لا تستوفي متطلبات السلامة، ومن غياب الفحص الميكانيكي الرسمي، إلى جانب ضعف الردع وتطبيق القانون.

وبين سلوك يحتاج إلى تغيير، وطرقات تحتاج إلى معالجة وفق معايير السلامة، ومركبات تسير من دون معاينة ميكانيكية رسمية، تبقى سلامة مستخدمي الطرقات مرتبطة بقدرة الدولة والجهات المعنية على معالجة هذه العناصر معاً، لا الاكتفاء بالتعامل مع الحوادث بعد وقوعها.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top