نناقش الفضائح لساعات… ونناقش مستقبل البلد لدقائق

بقلم إحسان الطبش

منذ أيام، لا يكاد يمرّ وقت على مواقع التواصل الاجتماعي من دون أن تتصدر قصة جديدة عن دكتور فود وشروق، فتتحول تفاصيل حياتهما وخلافاتهما إلى حديث الناس. لا مشكلة في أن نتابع المشاهير أو نبحث عن الترفيه، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الفضائح والترندات قضيتنا الأولى، فيما البلد من حولنا يواجه أزمات أكبر بكثير. السؤال ليس عن دكتور فود ولا عن شروق، بل عنّا نحن: أين نحن؟ وأين ذهبت أولوياتنا؟

كيف يمكن لشعب يعيش الغلاء، والحرب، وارتفاع الأقساط، وأسعار البنزين والسلع، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف الرواتب، والبطالة، أن ينشغل إلى هذا الحد بتفاصيل حياة الآخرين؟ الموظف يقبض راتباً لا يكفيه أمام كلفة المعيشة، والأهل يحاولون تأمين أقساط المدارس والكتب والنقل، والخريج يحمل شهادته ويبحث عن فرصة عمل، وفي أغلب الأحوال لا يجدها، فيما يهاجر كثير من الشباب لأنهم لم يعودوا يرون مستقبلاً واضحاً في بلدهم. وفي الجنوب، هناك عائلات تبحث عن الأمان وسط التوتر والحرب، بينما الاقتصاد اللبناني لا يزال يدفع ثمن الانهيار المالي الكبير الذي بدأ عام 2019.

ومع ذلك، ماذا نفعل؟ نلاحق “الترند”. نعرف من انفصل عن من، ومن تشاجر مع من، ومن نشر ستوري ومن حذف صورة، ومن ردّ على الآخر. نعرف تفاصيل علاقات المشاهير أكثر مما نعرف عن اقتصاد بلدنا، أو أموال المودعين، أو الإصلاحات، أو البطالة، أو مستقبل التعليم، أو ما ينتظر أولادنا. نناقش الفضائح لساعات، ونناقش مستقبل البلد لدقائق إن ناقشناه أصلاً.

والأخطر أن السوشال ميديا لم تعد تبيعنا المنتجات فقط، بل تبيعنا نمط حياة كاملاً. سيارات فخمة، ساعات باهظة، بيوت ضخمة، سفر دائم، ملابس وحفلات واستعراض للثراء أمام ملايين الناس. ليس المطلوب أن نحاسب أي شخص لأنه ناجح أو يملك المال، وليس كل ثري مُتهماً بشيء. لكن في بلد يعاني أزمة مالية بهذا الحجم، من حق المجتمع أن يسأل: من أين تأتي بعض هذه الثروات؟ هل هناك رقابة فعلية على الأموال غير المشروعة؟ ماذا عن تبييض الأموال واقتصاد الظل؟ وكيف أصبح الثراء السريع والاستعراض معياراً للنجاح؟

لقد وصلنا إلى مرحلة بات فيها عدد المتابعين عند البعض أهم من الشهادة، والصورة أهم من الحقيقة. وهنا تظهر ظاهرة أخرى: أشخاص يقدّمون أنفسهم كـ”Life Coaches” ويتحدثون عن النجاح والعلاقات والمال والحياة من دون مؤهلات أو اختصاص حقيقي، وكأن امتلاك هاتف وكاميرا وحساب على مواقع التواصل يكفي ليصبح الإنسان خبيراً. ولا نتحدث هنا طبعاً عن أصحاب الاختصاص والشهادات والخبرة، بل عن تحويل الشهرة إلى بديل عن الكفاءة.

ومع هذه الثقافة، أصبحت المقارنة جزءاً من حياتنا. نرى حياة مثالية على الشاشة، فنشعر أن حياتنا ناقصة. نرى علاقات تبدو سعيدة ومثالية أمام الكاميرا، فنقارن بها علاقاتنا الحقيقية. لكن هل ما نراه هو الحقيقة فعلاً؟ قصة دكتور فود وشروق، وغيرها من القصص التي تظهر تباعاً، تكشف أن الصورة التي تصلنا عبر الشاشة ليست بالضرورة الصورة الكاملة. خلف مشاهد السفر، والسيارات، والبيوت الفخمة، والرفاهية والثراء، قد تكون هناك عائلات مشتتة، وأطفال يدفعون ثمن أخطاء الكبار، وتربية مضطربة، وتفكك أسري، وغيرة، وخلافات، وطلاق، وحياة بعيدة كل البعد عن الصورة التي تُعرض للجمهور.

المشكلة أن الناس تقارن حياتها اليومية بهذه الصور المصنوعة، من دون أن تعرف ما يجري خلف الكواليس. ترى منزلاً فخماً فتشعر أن بيتها أقل قيمة، وترى سفراً متكرراً فتشعر أن حياتها ناقصة، وترى علاقة تبدو مثالية فتبدأ بمقارنة علاقتها بها. لكن الحقيقة أن حياتك البسيطة والمتواضعة قد تكون أكثر استقراراً وصدقاً وقيمة من حياة تبدو مثالية على الشاشة. أنت لا تعرف ماذا يحدث خلف الكواليس، فلا تقارن حياتك الحقيقية بصورة اختار شخص آخر أن يعرضها لك.

تتحول الخصوصية إلى محتوى، والخلافات إلى مشاهد، والحياة إلى استعراض. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على العلاقات وعلى نظرة الناس إلى الزواج والنجاح والقيمة الشخصية. صرنا نعيش في زمن تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يعرضه، لا بما يملكه من علم وأخلاق وقدرة على بناء حياته.

لكن المفارقة الأكبر تعود بنا إلى 2019. يومها، نزل اللبنانيون إلى الشوارع بعد طرح رسم على مكالمات واتساب، فتحولت تلك الخطوة إلى شرارة لاحتجاجات واسعة ضد الفساد والضرائب وسوء الإدارة والانهيار الاقتصادي. اليوم، مشاكلنا أكبر بكثير من رسم على تطبيق. لدينا أزمة مالية، أموال وودائع عالقة، غلاء، بطالة، مدارس أصبحت أقساطها عبئاً، شباب يهاجرون، حرب على حدود البلد، واقتصاد يحاول النهوض من سنوات الانهيار.

فأين الناس اليوم؟

هل نحتاج إلى فضيحة جديدة حتى نتذكر أننا غاضبون؟ هل أصبحنا نملك شجاعة أكبر خلف شاشة الهاتف من الشجاعة في المطالبة بحقوقنا؟ لماذا لا نتحرك؟ لماذا لا نبدأ بعشرة أشخاص؟ ثم عشرين؟ ثم مئة؟ لماذا لا يكبر الصوت عندما تكون المشكلة هي حياتنا ومستقبل أولادنا؟

لا أحد يدعو إلى الفوضى أو العنف. المطلوب أن يستعيد المواطن وعيه، وأن يسأل، ويحاسب، ويرفض أن تتحول قضاياه إلى هامش بينما يتحول كل يوم إلى متفرج على انهيار بلده.

أما أن نبقى نراقب من خلف الشاشة، ونشارك الفضائح، ونضحك على
“الترند”، بينما مستقبلنا يُقرَّر من دوننا، فهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصراحة: هل نحن فعلاً لا نرى ما يحدث، أم أننا نرى… ولا نريد أن نرى؟

“فيقوا يا ناس”!

افتحوا عيونكم على البلد قبل أن تفتحوا الهاتف على “الترند”.

لأن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من المشاهدات.

لبنان يحتاج إلى شعبٍ يستفيق!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top