سوريا الجديدة: بين بلاغة السيادة وشروط الانتظام الدولي

بقلم نزار شاكر

العبور نحو هندسة الدولة الجديدة

لم تكن تطورات شهر أغسطس/آب 2026 مجرد محطة زمنية عابرة في التراكم السياسي السوري، بل كشفت عن مسار مكثّف لما يمكن تسميته بـ “هندسة الدولة الجديدة”. فبين انتقال النشاط من مجرد كسر العزلة إلى السعي نحو الاندماج المالي الدولي، وبين تحولات الجغرافيا العسكرية الممتدة من الشرق إلى الجنوب، تبدو دمشق وكأنها تخوض اختباراً استراتيجياً للعبور من منطق إدارة السلطة الانتقالية إلى منطق تثبيت أركان الدولة البراغماتية. هذا المشهد، على كثافة أحداثه المتسارعة، يتطلب النفاذ إلى ما تحت السطح للوقوف على التوازنات الدقيقة التي تُصنع بعيداً عن السجال الإعلامي.
الشفافية الدولية وتعديل الهوية السياسية

بدأت ملامح هذه المرحلة تتبلور مع مطلع الشهر، عبر انتقال الدبلوماسية السورية من طلب الاعتراف السياسي إلى تهيئة البيئة للتعافي الاقتصادي والاندماج في المؤسسات المالية الدولية. وقد تعزز هذا المسار بمرونة غير مسبوقة في التعامل مع الملفات الموروثة الأكثر حساسية؛ حيث جاء الإعلان في الحادي عشر من آب (أغسطس) عن التقدم في ملف المواد النووية، تلاه بعد أسبوع واحد زيارة مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لدمشق واللقاء بمسؤولي إدارة الرئيس أحمد الشرع.كانت الرسالة السورية المزدوجة واضحة في مبدأ فتح الأبواب للتحقق الدولي من أنشطة ومواد عهد الأسد، مع التأكيد على بقاء تلك المواد داخل الأراضي السورية تحت الضمانات والسيادة الوطنية. ولعل الأهم أن هذا الانفتاح تقاطع مع مسار داخلي هادئ لتفكيك الخطاب والمظاهر الأيديولوجية الفصائلية القديمة، وإحلال لغة المؤسسات الوطنية والشرعية الرئاسية مكانها؛ وهي خطوة تشي بإنهاء حالة التشدد الراديكالي وتهيئتها لقبول الشركاء المحليين والمجتمع الدولي وفق قواعد اللعبة المؤسساتية.

إدارة الحافة الحادة وتوازنات الردع الإقليمي

لم تكن هذه الشفافية الدولية بمعزل عن الميدان الأمني المشتعل والمتقلب؛ إذ سرعان ما وضعت التطورات الإقليمية السياسة الخارجية السورية أمام اختبار دقيق في منتصف الشهر، عقب استهداف إسرائيل لقاعدة “أبو الظهور” الجوية بداعي منع تمدد النفوذ التركي. هنا، برز الأداء التنفيذي لوزير الخارجية أسعد الشيباني في إدارة توازن القوى؛ حيث سارع إلى حسم الموقف بنفي وجود خطط لقاعدة عسكرية تركية دائمة، متمسكاً بالسيادة السورية الكاملة على القاعدة، ومحيداً البلاد عن التحول إلى ساحة مواجهة مباشرة بين أنقرة وتل أبيب.هذا الضبط الدقيق للمسافة بين التعاون العسكري مع تركيا وطمأنة الجانب الإسرائيلي، تُبِع بقرار مفصلي في الثالث والعشرين من أغسطس، عندما فتح الشيباني باب التفاوض حول اتفاق أمني مع إسرائيل بوساطة أميركية في الأردن (لا نقيم مدى صوابية هذا الإجراء وتداعياته، بل نرصد مشهدية)، مرسخاً قاعدة جديدة مفادها قبول المسار التفاوضي الأمني المشروط بضبط الشريط الحدودي وإدارة الترتيبات الميدانية، دون الاندفاع نحو تطويع سياسي أو التخلي عن الخطاب السيادي.
الانعطافة الاقتصادية وقراءة تقرير صندوق النقد: بين “النمو الحسابي” و”التعافي البنيوي”

هذا الحراك الأمني والسياسي المتسارع تُوِّج في الرابع والعشرين من أغسطس بالانعطافة الاقتصادية الأكبر، المتمثلة في إعلان واشنطن الرسمي إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد أن كانت مدرجة عليها منذ عام 1979. وتكتمل القراءة الدقيقة لهذه اللحظة مع ما أعلنه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في خطابه الموجّه للشعب السوري؛ حيث زفّ نبأ الخروج من طائلة التصنيف بقوله إن البلاد:«تَنفضُ عن كاهلها اليوم نقطةً سوداء أثقلت مسارها لعقود، ولتُميط اللثام عن حقبة جديدة تنطلق فيها سوريا إلى فضاء التنمية والإعمار والبناء، معتبرةً أن رفع هذه القيود ليس سوى بداية مسار التعافي لا نهايته.»ولم يخلُ الخطاب من دلالة سياسية لافتة حين وجّه الرئيس الشرع شكراً مباشراً للرئيس الأمريكي دونالد ترمب على اتخاذ هذه الخطوة. إن أبعاد هذا الشكر لا تقف عند حدود اللياقة الدبلوماسية، بل تكشف عن دراية عميقة بما يدور في رحى الانتظام الدولي؛ إذ يعكس إدراك دمشق لواقعية التعامل مع مراكز القرار النافذة والانخراط في قواعد “التوازنات الكبرى”.ولم تكن هذه القرارات حبيسة الورق الدبلوماسي، بل تجسدت في مشهد دمشقي بليغ الرمزية؛ حين قام الرئيس أحمد الشرع بتنفيذ أول معاملة دفع عبر بطاقة “فيزا” مصرفية دولية، في إشارة عملية تُعلن طي صفحة القطيعة المالية ونزع الأغلال عن الشرايين المصرفية للبلاد. وتزامن هذا مع انطلاق فعاليات معرض دمشق الدولي الـ 63 تحت شعار “سوريا تشرق من جديد”، وبحضور دولي تقدمته ألمانيا كضيف شرف في رسالة واضحة حول استلهام نموذج النهوض الصناعي، وتكلل بإعلان تأسيس منتدى دمشق الاقتصادي العالمي.وفي هذا السياق الإقليمي المتصل وعلى هامش أعمال المعرض، جاءت كلمة رئيس مجلس الأعمال السعودي السوري في «منتدى الأعمال السعودي السوري» لـتثبّت وجهاً آخر للاستقرار؛ كاشفاً عن توجيهات قيادية من الرياض بأن «السعودية ستقود تحالفات عالمية للاستثمار في سوريا»، وتفعيل حزمة مشاريع أولية تناهز 24 مليار دولار، معتبراً أن الشراكة الاقتصادية المستدامة هي العمق الحقيقي للشراكة السياسية.

القراءة التحليلية للأثر الاقتصادي وتفكيك تقرير صندوق النقد

غير أن النفاذ إلى عمق التقرير الأخير لبعثة صندوق النقد الدولي (عقب زيارتها لدمشق في تموز 2026) يكشف عن تفكيك حذر لمفهوم “التعافي”. فالصندوق إذ يتوقع قفزة في النمو تصل إلى “خانتين عشريتين”، فإن قراءة أرقام هذا المؤشر تؤكد أنه “ارتداد إحصائي تلقائي” ناتج عن انطلاق الاقتصاد من القاع الصفر، ومدعوم بتحسن موسم الأمطار وانتعاش الزراعة الجزئي، وزيادة تدفقات الطاقة، فضلاً عن الحركة الاستهلاكية الناتجة عن عودة آلاف اللاجئين والزوار.ولكنّ الصندوق يضع هذا النمو الحسابي أمام مرآة قاسية؛ إذ ينبه إلى ثلاث معضلات بنيوية لا تزال تكبح التنمية الحقيقية: *النمو غير المتكافئ* : حصر النشاط الاقتصادي في بؤر جغرافية محددة دون النفاذ الكافي للأرياف والمناطق الأكثر تضرراً، ما يعني بقاء نسب الفقر مرتفعة وواسعة النطاق.

غياب البيئة التشريعية والمصرفية :

رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب قدم تسهيلات قانونية، لكن البنوك العالمية والشركات الكبرى لا تزال تمارس “تجنب المخاطر”، وتتردد في ضخ الاستثمارات المباشرة قبل تأسيس قانون استثمار حديث، ومصرف مركزي مستقل، ونظام تدقيق مالي شفاف يتماشى مع المعايير الدولية.

السياسة المالية المنضبطة على حساب الخدمة الاجتماعية :

نجحت الحكومة في تحقيق “فائض صغير” في الميزانية عبر الامتناع عن تمويل البنك المركزي واحتواء الإنفاق، لكن هذا الضبط النقدي تحقق على حساب نقص الخدمات الأساسية، مما يتطلب برنامج مساعدة فنية لبناء القدرات المؤسساتية وتطوير إدارة الإيرادات.إن رفع التصنيف الأمريكي وإشارات صندوق النقد والوعود الاستثمارية الإقليمية منحوا سوريا “بطاقة دخول” إلى الغرفة الاقتصادية العالمية، لكنهم لم يمنحوها “شيكاً على بياض”. فالتحول من مجرد “ارتداد أرقام النمو” إلى “استثمار مالي وحقيقي” يظل مرهوناً بقدرة السلطة على بناء مؤسسات هادئة وقوانين جاذبة ومستقرة.

تفكيك العسكرية المستقلة واستيعاب التوازنات اللامركزية

على وقع هذا الانفتاح الخارجي والتحول الأيديولوجي في العاصمة، جاء الحدث الداخلي الأبرز في الخامس والعشرين والسادس والعشرين من أغسطس ليكمّل أركان الموزاييك السوري؛ حيث أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي إنهاء “قسد” كقوة عسكرية مستقلة واندماجها في مؤسسات الدولة والجيش ضمن اتفاق مع حكومة الشرع، وهو القرار الذي حظي بترحيب تركي سريع اعتبره خطوة نحو توحيد الجغرافيا.هذه الخطوة لا تُقرأ كمجرد استسلام عسكري، بل هي تسوية تاريخية بين منطق المركز والخصوصية المحلية؛ إذ قضت بتفكيك الكيان العسكري المستقل لصالح جيش نظامي واحد، مع فتح الباب أمام استيعاب التوازنات الإدارية والخدمية للمناطق الشمالية الشرقية ضمن مسار إداري متدرج. هذا الانعطاف نقل الملف الكردي من خانة الصراع والتفتيت إلى خانة الشراكة الوطنية، ومكّن الإدارة الجديدة من تحقيق شعارها المفصلي: “دولة واحدة، جيش واحد، وسلطة مركزية جامعة”.

*التداعيات الإقليمية وانعكاس المشهد على الجوار اللبناني*

ولعل التداعي الأكثر خطورة لهذا التحول السوري لا يقف عند حدود الجغرافيا الوطنية، بل يمتد ليرمي بثقله على دول الجوار، وعلى رأسها لبنان الغارق في صراع المحاور. ففي الوقت الذي خطت فيه دمشق خطوة متقدمة بنزع فتيل الانفصال العسكري وتحييد أرضها عن المواجهات الإقليمية، يتكشف العجز في المقلب اللبناني عن مواكبة قطار التسويات الكبرى.إن قدرة السلطة السورية الجديدة على تحويل البراغماتية إلى أداة لفك العزلة واستعادة المؤسسات تضع القوى السياسية اللبنانية أمام مرآة كاشفة؛ حيث يظهر خطورة الاستعصاء الداخلي والمراهنة على أوراق إقليمية منحسرة، مما يهدد بتحويل لبنان إلى الساحة الأخيرة لتصفية حسابات المحاور ما لم يستوعب شروط اللحظة التاريخية ويذهب نحو منطق الدولة الناجزة.
توزيع الأدوار ومآلات التأسيس الثاني

إن النظرة الشاملة لهذه اللوحة الممتدة تتكشف عن توزيع أدوار متناسق داخل قيادة السلطة السورية؛ حيث يتحرك الرئيس أحمد الشرع كرجل القرار الاستراتيجي المعني بتوحيد المؤسسة العسكرية، وتثبيت سلطة الدولة، وإدارة العلاقة مع واشنطن، بينما يؤدي أسعد الشيباني دور الدبلوماسي والمفاوض الأمني والمسوق الاقتصادي الذي يجمع بين خطاب عدم الثقة بالخصوم وفتح أبواب التفاوض البراغماتي.لقد رسم شهر أغسطس 2026 مساراً عملياً متدرجاً: من توحيد الداخل وضبط الجغرافيا، إلى منع التصعيد التفاوضي الأمني، وصولاً إلى فك العزلة وفتح الآفاق الاقتصادية. ويبقى حكم التاريخ على هذه اللحظة الانتقالية مرهوناً بمدى قدرة دمشق على تحويل التسهيلات والقرارات الدولية إلى مؤسسات ناجزة على الأرض، وإدارة تفاصيل الاندماج الاجتماعي والعسكري بشفافية وحكمة.

تفكيك العسكرية المستقلة واستيعاب التوازنات اللامركزية

على وقع هذا الانفتاح الخارجي والتحول الأيديولوجي في العاصمة، جاء الحدث الداخلي الأبرز في الخامس والعشرين والسادس والعشرين من أغسطس ليكمّل أركان الموزاييك السوري؛ حيث أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي إنهاء “قسد” كقوة عسكرية مستقلة واندماجها في مؤسسات الدولة والجيش ضمن اتفاق مع حكومة الشرع، وهو القرار الذي حظي بترحيب تركي سريع اعتبره خطوة نحو توحيد الجغرافيا.هذه الخطوة لا تُقرأ كمجرد استسلام عسكري، بل هي تسوية تاريخية بين منطق المركز والخصوصية المحلية؛ إذ قضت بتفكيك الكيان العسكري المستقل لصالح جيش نظامي واحد، مع فتح الباب أمام استيعاب التوازنات الإدارية والخدمية للمناطق الشمالية الشرقية ضمن مسار إداري متدرج. هذا الانعطاف نقل الملف الكردي من خانة الصراع والتفتيت إلى خانة الشراكة الوطنية، ومكّن الإدارة الجديدة من تحقيق شعارها المفصلي: “دولة واحدة، جيش واحد، وسلطة مركزية جامعة”.
التداعيات الإقليمية وانعكاس المشهد على الجوار اللبناني

ولعل التداعي الأكثر خطورة لهذا التحول السوري لا يقف عند حدود الجغرافيا الوطنية، بل يمتد ليرمي بثقله على دول الجوار، وعلى رأسها لبنان الغارق في صراع المحاور. ففي الوقت الذي خطت فيه دمشق خطوة متقدمة بنزع فتيل الانفصال العسكري وتحييد أرضها عن المواجهات الإقليمية، يتكشف العجز في المقلب اللبناني عن مواكبة قطار التسويات الكبرى.إن قدرة السلطة السورية الجديدة على تحويل البراغماتية إلى أداة لفك العزلة واستعادة المؤسسات تضع القوى السياسية اللبنانية أمام مرآة كاشفة؛ حيث يظهر خطورة الاستعصاء الداخلي والمراهنة على أوراق إقليمية منحسرة، مما يهدد بتحويل لبنان إلى الساحة الأخيرة لتصفية حسابات المحاور ما لم يستوعب شروط اللحظة التاريخية ويذهب نحو منطق الدولة الناجزة.
توزيع الأدوار ومآلات التأسيس الثاني

إن النظرة الشاملة لهذه اللوحة الممتدة تتكشف عن توزيع أدوار متناسق داخل قيادة السلطة السورية؛ حيث يتحرك الرئيس أحمد الشرع كرجل القرار الاستراتيجي المعني بتوحيد المؤسسة العسكرية، وتثبيت سلطة الدولة، وإدارة العلاقة مع واشنطن، بينما يؤدي أسعد الشيباني دور الدبلوماسي والمفاوض الأمني والمسوق الاقتصادي الذي يجمع بين خطاب عدم الثقة بالخصوم وفتح أبواب التفاوض البراغماتي.لقد رسم شهر أغسطس 2026 مساراً عملياً متدرجاً: من توحيد الداخل وضبط الجغرافيا، إلى منع التصعيد التفاوضي الأمني، وصولاً إلى فك العزلة وفتح الآفاق الاقتصادية. ويبقى حكم التاريخ على هذه اللحظة الانتقالية مرهوناً بمدى قدرة دمشق على تحويل التسهيلات والقرارات الدولية إلى مؤسسات ناجزة على الأرض، وإدارة تفاصيل الاندماج الاجتماعي والعسكري بشفافية وحكمة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top