كيف يتحمّل “الحزب” كلّ هذا الخراب؟

بقلم جوزاف وهبه
 
لم يعد يمرّ يوم واحد، أو حتّى ساعة واحدة، دون دمار هائل.لم يعد تمرّ 24 ساعة دون شهيد أو شهيدة، سعيد أو سعيدة، وكأنّ إضافة هذه الصفة المحبّبة يمكن لها أن تكفكف دموع أمّ، أو تخفّف من لوعة أب، أو تطيّب خاطر حبيب وحبيبة!

كأنّ الجنوب بات قدراً مكتوباً على البراميل المتفجّرة والطائرات المسيّرة وأشكال النسف والتفجير الجماعي للمنازل والمدارس والقصور.كأنّ هذه الممتلكات بلا أهل ولا أصحاب ولا ذاكرة.كأنّ هذه المساحات الخضراء أرض سائبة تتقاذف مصيرها إسرائيل وإيران، بين شاهد زور يُدعى “المقاومة الإسلاميّة” وبين شاهد عاجز يُدعى “الدولة اللبنانيّة”..وأقصى ما نشهده، وسط الخراب المتدحرج، دولة تتمسّك (على طريقة لا حول ولا قوّة..) بمناطق تجريبيّة ينعي نجاحها نتانياهو، وحزب يصرّ على “ربطنا” بطهران ينطق باسمها أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، فيقول “الضاحية خطّ أحمر..”، دون أن يلفظ عبارة واحدة حول:ماذا عن جبل عامل والنبطيّة والمنصوري وعشرات البلدات والقرى وآلاف المدنيّين العالقين بين التاريخ والجغرافيا والحسابات الكبيرة والصغيرة!؟

لنفترض أنّ جوزاف عون ونوّاف سلام تراجعا خطوة إلى الوراء في المسار الإجباري للمفاوضات (في واشنطن أو روما..)، وسلّما (على سبيل التجربة المُرّة) دفّة الصراع لنعيم قاسم ومحمود قمّاطي، فماذا يمكن للحزب أن يفعله أكثر ممّا فعل في حرب 2006 وحربي إسناد غزّة والثأر للمرشد الأعلى؟

كيف يمكن للشيخ نعيم أن يُعيد لعريس ال 48 ساعة زوجته “سُجى” التي سقطت فيعربصاليم غداة زفافها الميمون؟ كيف يمكن له أن يُعيد لأشجار الزيتون حبّاتها واخضرارها بعد أن غطّى الفوسفور الحقول والهواء؟ كيف يمكن لمحمود قمّاطي أن يُعيد الروح إلى عشرات البلدات والقرى التي تحوّلت سطوحها إلى سهول مجبولة بالدم والمفقودين والوجع والقلق؟ كيف يمكن له أن يُخرج مقاتلين محاصرين في تلّة علي الطاهر، وحتّى إشعار آخر، برسم قرار أميركي يلجم – مؤقّتاً – رغبة “كاتس وأركانه”الجارفة في هدم التلّة والأنفاق والجبل فوق رؤوس، أينعت وحان قطافها، حسب ما يرون ويريدون؟
كلّ ما يفعله الحزب هو “الإنتظار”.وليس انتظار مفاوضات روما ومساعي الدولة اللبنانيّة، كما تدّعي قياداته، وإنّما انتظار الضوء الأخضر أو الأحمر من مرجعيّته القديمة –الجديدة في الحرس الثوري الإيراني.وما يقوم به الأمين العام نعيم قاسم من إطلالات خطابيّة باردة وساخنة، إنّما يندرج في سياق الوقت الضائع، مبقياً حاضنته (وكلّ البلد) لا معلّقة ولا مطلّقة، في خدمة أولويّات وحسابات الولي الفقيه إلى أن تحين الساعة مع “الشيطان الأكبر”!

وبعيداً عن كلّ السرديّات السياسيّة والفقهيّة الممتدّة من قم إلى الضاحية الجنوبيّة، وبعيداً عن كلّ فذلكات التخوين والوطنيّة والعمالة والجهاد المقدّس، وبعيداً عن مصطلحات الصمود والبطولة والشجاعة والتضحية والشرف والكرامة، يبقى السؤال الأخلاقي الكبير:كيف تتحمّل قيادات حزب الله كلّ هذا المشهد المدمّر الواسع، في البشر والشجر والحجر؟ كيف تنظر عيونهم (ولو من عمق الأنفاق والدهاليز) إلى قوافل الشهداء بالعشرات، في كلّ قرية ودسكرة، دون أن يكون هناك أفق أو أمل في نصر قريب أو بعيد؟ كيف يبرّر هؤلاء القادة لجمهورهم المؤمن كلّ هذه الإستباحة الإسرائيليّة للأرض والسماء وما تحت الأرض بغير التعابير (الصبر الجميل، في أحضان الإمام، جهاد النزوح، عند ربّهم يُرزقون..) التي لا تقدّم ولا تؤخّر في موازين القوى، خاصّة وأنّ نظريّة “فرصة الدولة التجريبيّة” أو “الضغط الإيراني القادم” لم تعد لا بالمقنعة، ولا بالواقعيّة:الجيش الإسرائيلي يفعل ما يشاء..وحزب الله سبق له أن فعل ما يشاء، دونما انتظار أو اعتبار للدولة ومشيئتها، وللبنانيين وحقيقة مصالحهم!

حزب الله في مأزق كبير.الدولة في مأزق كبير.الطائفة الشيعيّة وكلّ طوائف لبنان في مأزق كبير..فما العمل؟
لا يملك الحزب سبيلاً للخلاص سوى في تقديم مزيد من الشهداء، ومزيد من الخراب المعمّم..ولا تملك الدولة سوى تقديم مزيد من التنازلات، فوق وتحت طاولة المفاوضات، بانتظار أوان التسويات الكبرى في الإقليم، في مضيق هرمز.. وربّما في العالم!!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top