
بقلم شادي هيلانة
كلما عاد ملف السلاح إلى النقاش اللبناني، برز سؤال آخر لا يقل حساسية عن مسألة السلاح نفسها: على أي أساس يجري تحديد المدن والمناطق التي تستحق التدقيق، وما هي المعايير التي ستُعتمد عندما تصبح حصرية السلاح بيد الدولة عنواناً وطنياً يفترض أن يشمل الأراضي اللبنانية كافة؟.. ومن هنا تبدو طرابلس أمام معادلة دقيقة، خصوصاً أن الحديث عن سلاح موجود فيها يجري أحياناً وكأن المدينة تحمل قدرات عسكرية استراتيجية، في حين أن واقعها الأمني والعسكري مختلف تماماً عن هذا الوصف.
يضع السياسي خلدون الشريف المسألة عبر موقع “ديمقراطيا نيوز” في إطارها المباشر، معتبراً أن الحديث عن وجود سلاح في طرابلس يُطرح بطريقة لا تعكس حقيقة الواقع، ويسأل بوضوح: هل توجد صواريخ؟ هل توجد طائرات مسيرة؟ ويؤكد عدم وجود سلاح من النوع الاستراتيجي داخل المدينة، معتبراً أن أي سلاح يجري الحديث عن نزعه اليوم، سواء كان فردياً أو غيره، يجب أن يُبحث ضمن إطار شامل يطال كل لبنان.
وبحسب الشريف، فإن السلاح الفردي ليس ظاهرة خاصة بمدينة دون أخرى، فلبنان كله يعرف انتشار هذا النوع من السلاح، وبالتالي فإن اختزال القضية بطرابلس وحدها يطرح سؤالاً حول الهدف من الإجراءات والمعايير التي ستُعتمد، خصوصاً أن جوهر المشكلة يرتبط بالقدرات العسكرية النوعية التي تتجاوز إمكانات الأفراد، وتدخل في صلب مسألة القرار الأمني والعسكري.
ويستعيد الشريف في هذا السياق مواقف جيرالد كوشنير قبل الحرب، حين كان الحديث يتمحور حول تسليم الصواريخ والطائرات المسيرة، وليس الدخول في تفاصيل السلاح الفردي، لافتاً إلى أن السؤال الأساسي يرتبط بوجود أسلحة استراتيجية في مناطق أخرى، ومنها ما يُتداول عن وجود أنفاق في الضاحية الجنوبية، حيث كان الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله موجوداً داخل نفق لحظة استهدافه ومقتله.
وفي طرابلس، يأخذ النقاش منحى مختلفاً مع النائب السابق مصطفى علوش، الذي يطرح السؤال عبر موقعنا من زاوية الحياة اليومية للمدينة: “ماذا نريد بالسلاح في طرابلس؟” فبالنسبة إليه، هذا السلاح لم يكن يوماً موجهاً لمواجهة إسرائيل، كما لم يكن سلاحاً سنياً هدفه مواجهة حزب الله، إنما تحول إلى مصدر خوف وقلق بين الأهالي، بعدما ارتبط بحوادث الموت وزرع الرعب، وأصبح عائقاً أمام أي فرصة للنهوض الاقتصادي في المدينة.
ويؤيد علوش نزع كل السلاح غير الشرعي، سواء كان سنياً أو مسيحياً أو شيعياً أو درزياً، لأن السلاح الفردي الموجود بأيدي الخارجين عن القانون لا يحمي الناس ولا يرد أي اعتداء إنما يهدد أمنهم واستقرارهم.
ويعود علوش إلى المقارنة مع بيروت، مشيراً إلى أن طرابلس لا تملك صواريخ أو مسيرات كما هو الحال في العاصمة بيروت، ومع ذلك صدر قرار بجعل بيروت منزوعة السلاح من دون أن يتم تطبيقه، فيما بقيت أسلحة الحزب والأنفاق موجودة.
وتزداد حساسية هذا النقاش مع انتقال الدولة خلال عام 2026 من الحديث السياسي العام عن حصرية السلاح إلى إجراءات وخطط أكثر وضوحاً، إذ قررت الحكومة حظر النشاطات الأمنية والعسكرية لحزب الله وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة، كما طلبت من الجيش تنفيذ خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني، في وقت تستمر فيه التطورات الميدانية في الجنوب والضاحية، وتؤكد الوقائع الأمنية أن ملف السلاح لا يقتصر على بند واحد أو منطقة واحدة. وفي طرابلس نفسها، أوقفت شعبة المعلومات في تموز شخصاً يبيع أسلحة حربية وضبطت بحوزته 13 قنبلة يدوية و7 صواعق، فيما شهدت التبانة أيضاً عمليات أمنية مرتبطة باستخدام السلاح.
هنا تحديداً تصبح المقارنة أكثر إثارة للقلق: إذا كان المطلوب فعلاً الوصول إلى بلد يخضع فيه السلاح لقرار الدولة، فالسؤال لا يعود متعلقاً بطرابلس وحدها، إنما بمنظومة كاملة تشمل السلاح الفردي والسلاح النوعي والصواريخ والطائرات المسيرة والأنفاق ومراكز القدرات العسكرية، خصوصاً أن الجيش أعلن أن معالجة الأنفاق والذخائر غير المنفجرة جزء من مسار حصر السلاح، فيما شهدت الضاحية الجنوبية خلال الأشهر الأخيرة استهدافات إسرائيلية مرتبطة بمواقع وبنية عسكرية، بالتزامن مع استمرار الحديث عن الأنفاق والقدرات المخفية تحت الأرض. وبين مدينة يُسأل فيها عن سلاح فردي، ومناطق أخرى يدور النقاش فيها حول صواريخ ومسيرات وأنفاق، يبقى السؤال الأكثر خطورة: هل ستكون معايير نزع السلاح واحدة على امتداد لبنان، أم أن طرابلس ستجد نفسها أمام امتحان أمني مختلف عن بقية المناطق؟
