ترامب وكندا: شهوة العرش وخراب البيت

بقلم الياس عيسى الياس

ثمة حدود تُرسم على الخرائط بالمسطرة والقلم، وحدود أخرى تُرسم في أرواحنا ووعينا. وقلّ ما التقتا في مكان واحد كما التقتا، لسنوات طويلة، على الشريط الفاصل بين كندا والولايات المتحدة.
 
طوال عمري، كنت أنظر إلى تلك الحدود وكأنها مجرد رسم وهمي لا وجود له في الواقع؛ مساحة مفتوحة تصل بين بلدين واقتصادين حتى بات من الصعب فصل أحدهما عن الآخر.
 
كثيراً ما جلس معي أصدقاء وأقارب لبنانيون يعيشون هناك، وكانوا يحكون لي عن عبورهم تلك الحدود وكأنهم ينتقلون بين أحياء مدينة واحدة؛ يتنقلون لزيارة العائلة، أو للتبضع، أو للذهاب إلى العمل والعودة في المساء، دون أن يخطر ببالهم أيٌّ من تعقيدات العبور المألوفة التي نعرفها في بلادنا. كانت الحدود هناك، بكلمة بسيطة، بلا حراس وبلا أسوار.
 
لكن هذا المشهد الأليف يمرّ اليوم بتحول غير متوقع، حين أصبحت حدود الجيرة ساحةً لنزوات العرش وشغف الإخضاع. وما يوقفك عنده ليس فقط أرقام الجمارك الشاهقة، بل شعور بالدهشة يساور أي مراقب:
 
كم من العلاقات حولنا، بين الدول كما بين البشر، نظن أنها أبديّة ومحصّنة ضد الزمن، ثم نفيق فجأة لنكتشف كم كانت هشة؟ وكم من الألفة التي ظنّها الناس جداراً راسخاً، تبيّن أنها لم تكن سوى توازن مصالح مؤقت ينتهي بمجرد أن تتغير الحسابات؟
 
لم يعد الخلاف بين واشنطن وأوتاوا مجرد مناكفة عابرة بين حكومتين حول تعرفة هنا أو نسبة هناك، بل إن شكل الجيرة كله يتبدل أمام أعيننا.
 
ولكي نفهم سرّ هذا التحول المفاجئ، لا بدّ من العودة إلى ما هو أعمق منلغة الأرقام. وقد سلّط الكاتب جاميل بوي الضوء على الجذور الفكرية لهذه الأزمة، في مقال نشره بصحيفة «نيويورك تايمز» في 26 آب/أغسطس2026؛ إذ يرى أن التجربة الأمريكية الراهنة مع دونالد ترامب تعيد إلى الأذهان المفهوم التاريخي لـ «إهانة الذات الملكية» (Lèse-majesté) — ذلك المفهوم الذي كان يرى في الممالك القديمة أن مجرد التشكيك في الملك أو عدم الخضوع التام له يُعد تقويضاً للدولة بأسرها.
 
حين تتحول السلطة التنفيذية في ذهن الحاكم من أداة إدارية مقيدة بالقانون إلى ما يشبه “المرسوم الملكي” الذي يتطلب الطاعة السريعة دون تحدٍّ، لا يعود الخلاف السياسي أو الاقتصادي مجرد وجهة نظر أخرى، بل يُعامل كـ “إهانة شخصية”.
 
ومن هنا، فإن الأزمة الراهنة مع كندا ليست سوى تجلٍّ لهذه العقلية؛ حيث يصبح أي موقف لا يعني الاستسلام المطلق للشروط بمثابة خطيئة تستوجب العقاب، فتتحول علاقة الجوار التاريخية إلى ضحية جانبية لشهوة السيطرة.
 
وهكذا، أغلقت واشنطن أوراقها والتفتت إلى الداخل، ففرضت رسوماً جمركية بلغت 50 في المئة على نحو 20 مليار دولار من الواردات الكندية لحماية مصانعها.
 
ولم تتأخر أوتاوا في الرد بالمثل، معلنة رسوماً مضادة تناهز 27.6 ملياردولار كندي.
 
غير أن الأمر لم يكن يتعلق بالمال وحده؛ فالطريقة التي تُدار بها المعركة تجعل الاقتصاد يبدو كأنه أُخذ كرهينة، ودُفع به إلى الواجهة ليصبح عصا ضغط في ملفات شائكة تمتد من صناعة السيارات إلى القطاعات الزراعية.
 
وهنا يتجلى كيف يمكن لمفهوم “الجوار” — بكل ما فيه من حميمية — أن يتحول فجأة إلى مساحة قابلة للتفاوض والمساومة حين تُدار السياسة بمنطق النرجسية الفردية.
 
والأكثر إيلاماً في هذه الخصومات هو أنها لا تصون أحداً من الضرر.
 
صحيح أن الاقتصاد الكندي يبدو أكثر تأثراً بحكم الجغرافيا، إذ تعتمد كنداعلى السوق الأميركية لاستيعاب ثلاثة أرباع صادراتها، لكن أميركا نفسها ليست بمعزل عن الخطر؛ إذ تُعد كندا الشريك التجاري الأول لنحو 37 ولاية أميركية. ومع كل عرقلة على الحدود أو ارتفاع في التكاليف، تصبح النتيجة المباشرة ارتفاع الأسعار وتراجع توفّر السلع في أسواق الطرفين.
 
فالخصومة بين اقتصادين متشابكين لا تشبه القطيعة بين غريبين، بل هي أقرب إلى نزاع داخل البيت الواحد، يخسر فيه الطرفان معاً حتى وهما يظنان أنهما يحققان نصراً موهوماً.
 
تتضح هذه الحقيقة بوضوح في صناعة السيارات؛ فالقطعة الواحدة قد تعبر الحدود بين البلدين مرات عدة خلال مراحل تصنيعها وتجميعها قبل أن تصبح سيارة جاهزة. وعندما يُفرض رسم على كل عبور لهذه القطعة، تتعرض هذه السلسلة لاضطراب مباشر، يلقي بظلاله على وتيرة الإنتاج في مدن صناعية مثل أونتاريو الكندية أو ميشيغان وأوهايو الأميركية.
 
ولا يختلف الأمر في قطاع الطاقة، حيث تعتمد ولايات أميركية عدة على النفط والغاز والكهرباء من كندا. وفي نهاية المطاف، تجد أن المستهلك العادي — ذاك الذي لا يد له في معارك التعرفات — هو من يدفع الفاتورة أولاً وأخيراً.
 
حتى في الداخل الأميركي، لا تبدو هذه السياسات محل إجماع؛ إذ يدافع البيت الأبيض عن القرارات باعتبارها درعاً لحماية الإنتاج المحلي، بينما يبرز اعتراض واضح من حكام ولايات ونواب خشية أن يدفع مزارعو وصناعيو ولاياتهم ثمن هذا الجفاء.
 
وفي الشارع الأميركي، يتراوح المشهد بين تأييد حمائي يرى في القرار صمام أمان لفرص العمل، وقلق تجاري يخشى غلاء المعيشة واضطراب الإمدادات.
 
أما في كندا، فتتخذ الحكومة موقفاً حاسماً لحماية القرار السيادي.
 
وعلى الرغم من حديث المسؤولين هناك عن البحث عن أسواق جديدة في أوروبا وآسيا، يظل الجار القريب شريكاً لا يمكن استبداله بقرار سريع؛ فالجغرافيا، خلافاً للسياسة، لا تُعاد كتابتها بجرّة قلم.
 
ولم يقف الخلاف عند حدود الشاحنات والأرقام، بل امتدّ إلى ما هو أعمق: الهوية والرمز. فعندما ينزاح التوتر نحو معركة نفوذ، تصبح الخرائط والأسماء جزءاً من أدوات الضغط.
 
يظهر ذلك في الأمر التنفيذي الصادر عن البيت الأبيض بإعادة تسمية «بحيرة أونتاريو» لتصبح «بحيرة أميركا» في السجلات الفيدرالية الرسمية!
 
وكم تتكشف الأوهام في مثل هذه اللحظات؛ فحين تعجز القوة عن تغيير موازين المصلحة، فإنها تلجأ أحياناً إلى تغيير الأسماء، وكأن إعادة تسمية الأشياء وسيلة لإعادة امتلاكها رمزياً بعدما تعذّر امتلاكها فعلياً.
 
لكن الرد الكندي جاء سريعاً وبلغة الرمز نفسها؛ إذ بادرت السلطات المحلية في أونتاريو إلى رفع لوحة كبيرة على ضفاف البحيرة كُتب عليها «بحيرة أونتاريو… الآن وإلى الأبد».
 
كانت تلك اللوحة، في جوهرها، إعلاناً بأن الهوية والتاريخ والذاكرة ليست بضاعة صالحة للإلغاء أو التعديل بقرار أحادي، وأن الهوية، خلافاً للسلع، لا تخضع لمنطق العرض والطلب.
 
تكشف هذه المواجهة الرمزية أن ما يجري ليس مجرد نزاع جمركي عابر، بلهو خدش عميق في جدار التعايش بين دولتين تجمع بينهما أعرق العلاقات التاريخية.
 
فالحدود التي ظلت لسنوات طويلة رمزاً للتكامل الاقتصادي والإنساني الفريد، تظهر اليوم كخط فاصل ينبعث مجدداً بين الجارين.
 
إن الخلل الأكبر في اختزال الدولة في مزاج الفرد، كما أشار جاميل بوي، هو أنه يجعل أمان الشركاء والجيران مرهوناً بمزاج “الأنا” وتوجسها. وعندما يُدار البيت المشترك بمنطق العرش لا الشراكة، تتفكك عقد العيش دون أن يدري القاطنون فيه.

وفي حين تستطيع واشنطن أن تفرض شروطها وزياداتها، وتستطيع أوتاوا أن ترفض وترد، فإن أحداً منهما لا يستطيع بسهولة ترميم جدار الثقة المصدوع.
 
وهنا تنكشف أعمق مفارقات الجوار في الحياة والسياسة: أن أكثر الناس قُرباً منك هم غالباً من تملك معهم أكثر الحسابات تعقيداً، لأن قربهم يمنحه مقدرة على إيلامك لا يملكها الغرباء.
 
والسؤال الذي لا يبرح البال اليوم ليس فقط من سيكسب هذه الجولة فيسوق المال، بل كيف يمكن لجارين اعتادا أن يعيشا كأنهما في بيت واحد، أن يستمر أحدهما في النظر إلى الآخر بوصفه خصماً؟
 
وبينما أطرح هذا السؤال، يلحّ سؤالٌ أشدّ عمقاً وحيرة: كم من “البيوت الواحدة” حولنا اليوم — بين الدول كما بين أفراد الأسرة والمجتمع — مازالت تحتفظ بهيكلها الخارجي، فيما تتآكل جدرانها من الداخل دون أن ننتبه؟
 
إن ما يجري بين واشنطن وأوتاوا ليس إلا الشاهد والأثر؛ فالخراب لا يبدأ حين تسقط الأسوار، بل حين تتغير القلوب في الداخل. ومن له أذنان سامعتان فليسمع… فالحديث، وإن اتخذ من الشمال الأميركي مسرحاً له، يظل حكايةً موجهةً لكل بيتٍ ودولةٍ تظن أن الألفة أبدية، وأن الجوار لا يزول.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top