
بقلم الياس عيسى الياس
من يخاطب الميدان يقول للناس بملء الصدر: اصمدوا وضحوا؛ ومن يدير الدولة والمجتمع ينشغل بسؤال آخر أكثر تعقيداً: كيف لا ينهار الجدار الداخلي؟في هذه المفارقة البسيطة والمكثفة تكثفت صورة المشهد السياسي والنفسي بين كلمتين صدرتا متزامنتين في أواخر آب/أغسطس 2026: الأولى ألقاها الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في 28 آب/أغسطس لمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف وأسبوع الوحدة الإسلامية، والثانية رسالة مكتوبة وجهها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي للرئيس مسعود بزشكيان بمناسبة “أسبوع الحكومة” في إيران. وليس الهدف هنا الدخول في ترف التحليل الأكاديمي المبتعد عن الواقع، بل محاولة فهم ما يجري على الأرض، حيث يتقاطع الخطاب السياسي المباشر مع تفاصيل حياة الناس اليومية وأوجاعهم الإنسانية.حين تصغي إلى كلمة الشيخ نعيم قاسم لمناسبة المولد النبوي الشريف، تجد نفسك أمام الصوت الصريح والواضح للميدان في لحظات الصراع الحرج.إنه خطاب يعتمد على شحن الوعي بالقيم العقائدية والتعبوية، ويضع الخسائر والآلام المعيشية في سياق أوسع لمعنى الصمود والمواجهة، لأن المعركة في هذا المنطق تُقاس أساساً بمعيار واضح: هل نجح الخصم في فرض شروطه وتحقيق أهدافه السياسية أم فشل؟يطلب قاسم من الجمهور التفافاً واسعاً حول خيار المواجهة، ويقدم التضحيات الباهظة باعتبارها ثابتاً لا مفر منه، بل يرى في هذه التضحيات “المدخل الطبيعي” لإفشال مشاريع الأعداء وحفظ السيادة ودفع الأخطار.هنا تتحول التضحية في الخطاب الميداني من مجرد نتيجة قاسية للحرب إلى علامة على الصلابة والمنعة والثبات.ولكن، حين نبتعد عن منصات الخطابة وننظر إلى أحوال الناس في قراهم وأحيائهم، ممن فقدوا بيوتهم أو تضررت أرزاقهم أو باتوا يخشون الغد، يتسلل إليك سؤال إنساني ملح: إلى أي حد يستطيع المواطن العادي أن يستمر في وضع ألمه الشخصي جانباً، وأن يتحمل العبء النفسي والمعيشي ليقنع نفسه بأن معاناته اليومية مجرد تفصيل هامشي في معركة إقليمية كبرى؟وفي المقابل، تأتي الرسالة المكتوبة للمرشد مجتبى خامنئي لتأخذ القارئ إلى عالم حافل بالحسابات المعقدة والتوازنات الدقيقة.فالقيادة الإيرانية هنا لا تتحدث فقط بلغة الحماس الثوري المعتادة، بل توحي بقلق واضح لدى السلطة من انعكاسات الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الداخل، وبمحاولة اعتماد آلية دفاعية لحماية التماسك.وعندما يحذر خامنئي في رسالته من أن التعبير عن نقاط الضعف الذاتية في وقت يحتاج فيه الخصم لرفع معنوياته قد يخدم أهداف ذلك الخصم ويشيع الحيرة والقلق في نفوس الأصدقاء والمواكبين، فهذا لا يبدو مجرد توجيه إداري أو سياسي عابر، بل يمكن قراءته باعتباره التفاتاً إلى التضخم الذي يلتهم أجور العائلات، والارتفاع المتواصل في الأسعار، فضلاً عن انسداد الآفاق أمام الشباب الباحثين عن العمل وبناء مستقبلهم.إنها محاولة مكثفة لضبط الرواية العامة وإدارة الصورة النفسية للأزمة، وهنا يبدو أن حسابات القيادة لا تتعلق بالصواريخ وحدها، بل باليأس المتنامي الذي قد يتسلل إلى الداخل.وهنا تحديداً تبدأ المساحة التي تستحق التوقف عندها بتأمل هادئ: كيف لخطابين يصدران من داخل المنظومة السياسية نفسها وفي فترة زمنية متقاربة أن يحملا هذا القدر من التباين في النبرة والأولويات؟الأول يطالب الجمهور بالنزول إلى الساحة بصلابة عقائدية لا تهتز، والثاني يخشى بوضوح أن ينكسر حبل الصبر داخل البيوت والدكاكين والمؤسسات.تكشف هذه المفارقة عن خلل بنيوي عميق في التوازن بين حسابات الدول الممسكة بمقاليد القرار وحسابات القوى والتشكيلات الملحقة بصلب مشروعها الإقليمي؛ فالمركز القيادي في طهران يتحرك من موقع الدولة الراعية لشرعيتها ومؤسساتها، والمدركة لخطورة الانهيار الداخلي، بينما ينشغل الفصيل الحليف في الساحة اللبنانية بتقديم فروض الصمود الميداني وإبداء الجاهزية للتضحية بآخر المقومات المجتمعية في سبيل إدامة الصراع.ولا يمكن رد الأزمة في إيران بأكملها إلى العقوبات والقيود المالية الدولية وحدها؛ إذ تشير البيانات والإقرارات الرسمية الأخيرة — ومنها تصريحات الرئيس بزشكيان حول تراجع حركة التجارة والصادرات — إلى أن جزءاً أساسياً من التحدي يرتبط أيضاً بطريقة إدارة الاقتصاد الداخلي وتأخر الإصلاحات البنيوية.ومن هنا، فإن الحديث المتكرر عن “اقتصاد المقاومة” وزيادة الإنتاج المحلي قد يمنح هيكل الدولة قدرة استثنائية على التكيف التكتيكي والاستمرار تحت الضغوط، لكنه لا يضمن بالضرورة الرفاه، ولا يطعم عائلة تعبت من الأزمات المتتالية، ولا يمنح الآباء والأمهات الطمأنينة الحقيقية على مستقبل أبنائهم.إن الخطر الذي قد ينطوي عليه توسيع هذا المنطق إلى المجال الداخلي، بحيث يصبح تجنب إظهار الضعف قاعدة عامة، يكمن في أنه قد يحول التحمل من موقف شجاع واختيار واعي إلى عبء ثقيل يُفرض على المجتمع فرضاً.فعندما تشعر الفئات الشعبية بأن مجرد الشكوى من ضيق العيش أو التعبير عن الإرهاق المعيشي قد يُفسر بأنه ضعف في الوطنية أو باعتباره يصب في مصلحة الخصوم، فإن ذلك قد ينتهي عملياً إلى تضييق مساحة المصارحة والمشاركة السياسية.التماسك الوطني في زمن الحرب والأزمات الكبرى حاجة مفهومة وطبيعية للمجتمعات لحماية نفسها، لكن هذا التماسك يفقد جوهره النبيل إذا استخدم كغطاء لتأجيل معالجة الاختلالات الواقعية ولإسكات الأصوات المطالبة بالإصلاح.في ختام هذه المقارنة بين الخطابين، يظهر بوضوح أن إفشال مخططات الخصوم ومنعهم من تحقيق أهدافهم شيء، وبناء حياة كريمة ومستقرة ومزدهرة للشعوب شيء آخر تماماً.يساعد إفشال أهداف الخصوم والصمود بلا شك على تجنب الهزيمة المباشرة وحفظ التوازن، لكنهما لا يعنيان تلقائياً تحقيق النصر الاستراتيجي في بناء المجتمع والدولة.قد تنجح قيادة هذا المحور في إدارة معركة البقاء وإعادة تأطير الألم بين الميدان والداخل، لكن البقاء وحده ليس بديلاً عن التنمية؛ إذ يمكن الانتصار في معركة الصمود من دون أن يكون ذلك كافياً لبناء دولة.
