
بقلم الياس عيسى الياس
تخوض الأدبيات السياسية والإعلامية لحزب الله مواجهات كلامية متواصلة ضد أي طرح يدعو إلى الفدرالية أو اللامركزية الموسعة، تحت مبرر الحفاظ على وحدوية البلاد والدفاع عن صيغة “العيش المشترك”.
غير أن متابعة هادئة للمسار العام تكشف حجم المفارقة؛ فالسلوك اليومي للحزب يكرس شكلاً كاملاً من الاستقلال المؤسسي، بل يتجاوزه نحو بناء نموذج لمؤسسات موازية تستغني كلياً عن الدولة الرسمية ووجودها.
لم تكن هذه الفدرالية الواقعية وليدة لحظة أو مجرد خيار عسكري أملته ظروف المنطقة، بل تبلورت عبر عقود من التغيير الاجتماعي والتنظيمي الهادئ الذي يمكن تفكيك أبعاده قطاعاً قطاعاً لنفهم كيف تشكل هذا الواقع.
ففي الشق المالي، تؤدي مؤسسة “القرض الحسن” لجمهور الحزب وظائف تشبه ما تقدمه المصارف التقليدية، لكن بمعزل عملياً عن رقابة مصرف لبنان وقوانين النقد والائتمان. واعتمدت المؤسسة نظاماً مالياً خاصاً قائماً على تداول العملات الصعبة والضمانات من الذهب، مما منح بيئتها حماية استثنائية من شظايا الأزمة المصرفية التي طالت بقية اللبنانيين.
ولا يتوقف هذا الاستقلال عند حدود المال، بل يبرز مسار كامل لبناء بيئة مجتمعية مستقلة تتكامل فيها الخدمات. يبدأ هذا المسار من التعليم عبر شبكات المدارس التابعة للحزب وجمعياته الكشفية، ليطال الخدمات الطبية عبر “الهيئة الصحية الإسلامية”.
وفي المقابل، تتولى “مؤسسة جهاد البناء للتنمية” أدواراً تنموية في تنفيذ مشاريع المياه والإعمار بدلاً من الوزارات المختصة. أمّا أمنياً واجتماعياً، فتعتمد هذه البنية على آلياتها الداخلية في فض النزاعات، فضلاً عن امتلاك شبكات اتصالات ومؤسسات إعلامية صاغت فضاء عاماً خاصاً بها.
غير أن هذا البناء الموازي لم يستمر وينمو في فراغ، بل اعتمد على تقاطع مصالح واضح مع الطبقة السياسية التقليدية. فبدلاً من أن تقف الزعامات الطائفية حائلاً دون تمدد مؤسسات الحزب، ارتضت دور المساوم وقدمت الغطاء السياسي والقانوني لحركته وسلاحه في محطات مفصلية، كان أبرزها “اتفاق مار مخايل” عام 2006 والتسويات الرئاسية والحكومية المتلاحقة كتسوية عام 2016.
وجرى ذلك في مقابل استمرار هذه القوى في إدارة شبكات نفوذها ومحاصصة مقدرات السلطة. ومن هنا، استغل الحزب الواقع القائم واستفاد عملياً من إنهاك المؤسسات الرسمية وانهيار القطاع المصرفي لترسيخ نظامه وتكريس هيمنته الميدانية.
وهنا تحديداً تتجلى المفارقة الأساسية في التناقض بين الخطاب والممارسة؛ فالرفض المعلن للفدرالية يهدف عملياً إلى منع باقي الشركاء في الوطن من البحث عن أطر تحمي خصوصياتهم، بينما يمارس الحزب استقلالاً ذاتياً مطلقاً في مناطق نفوذه.
فهو يملك اقتصاده الخاص، ومؤسساته الخدمية، وآلياته الأمنية. يضاف إلى ذلك احتكاره الواقعي لقرار الحرب والسلم بعيداً عن المؤسسات الدستورية، كما تجسد جلياً في قرار فتح “جبهة الإسناد” غداة أحداث أكتوبر 2023، وفي قصفه إسرائيل انتقاماً لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي مطلع آذار 2026، وقبلها حرب عام 2006.
لكن عقدة هذه المعادلة وتفكيكها لا يقعان في يد اللبنانيين وحدهم؛ إذ تتجاوز الإشكالية الحدود الوطنية حين نصطدم بمرجعية القرار النهائي في هذه الفدرالية الواقعية. يظهر بوضوح أن قرار تفكيك هذا الواقع أو إدماج السلاح في بيئة الدولة ليس قراراً يُبتّ فيه عبر الحوارات المحلية في الضاحية الجنوبية لبيروت.
فهذه الترسانة والبنية الموازية تمثلان أصلاً استراتيجياً استثمرت فيه طهران عقوداً لبناء خط دفاع متقدم ونفوذ إقليمي واسع، يتجلى وضعه كأداة ردع رئيسية في ملف المفاوضات الإقليمية والدولية. ومن المستبعد في حسابات موازين القوة أن تتنازل طهران عن هذا الاستثمار، ما لم تكن جزءاً من تسوية شاملة تراعي مصالحها مباشرة.
هذا الارتباط الوثيق بملفات المنطقة يضع الواقع السياسي اللبناني أمام مأزق سيادي مغلق؛ فالتوجه المباشر للتفاوض مع طهران يعني إقراراً رسمياً بسلب القرار الوطني، بينما الحوار المحلي لا يتعدى الدوران في حلقات مفرغة مع طرف لا يملك صلاحية التنازل عن سلاحه، لتصبح هذه الدولة الموازية هي الآلية الحاكمة لتركيبة البلاد.
غير أن استعادة المبادرة لا تزال ممكنة إذا ما أُعيد الاعتبار لكتلة وطنية عابرة للطوائف تتمسك بالدستور وتفرض تطبيق اتفاق الطائف والقرارات الدولية كمدخل إجباري لتفكيك الازدواجية وإعادة الهيبة لفكرة الدولة الجامعة.
والوقت لم يعد حليفاً.
