
خاص- العقرب
أحياناً، لا تحتاج السياسة إلى خطاب طويل. يكفي علم لكي تقول الكثير.
ما جرى مؤخراً في بلدة حومين الفوقا قد يبدو للوهلة الأولى حادثة محلية بسيطة: رُفع علم حركة أمل، فاعترضت مجموعة مرتبطة بحزب الله وأزالته، فعاد أنصار الحركة ورفعوه من جديد. لكن اللافت أن الرد التالي لم يكن برفع علم حزب الله، بل برفع العلم الإيراني.
وهنا تطرح تساؤلات واقعية ومنطقية؟
لماذا إيران؟ ولماذا في هذه اللحظة تحديداً؟ ولماذا لم يكن الرد برمز الحزب نفسه؟
قد يرى البعض في الأمر مجرد استفزاز متبادل بين طرفين داخل البيئة الشيعية. لكن في السياسة، وخصوصاً في لبنان، الرموز لا تُرفع دائماً من دون حساب. والعلم الذي يُختار في لحظة مواجهة يمكن أن يكون بحد ذاته رسالة.
رفع العلم الإيراني بدلاً من العلم الأصفر يمكن أن يُقرأ على أنه نقل للمواجهة من مستوى الخلاف بين قوتين لبنانيتين إلى مستوى آخر: مستوى المرجعية والنفوذ الإقليمي.
وهنا السؤال الأخطر: هل أراد من رفع العلم أن يقول إن خلف المواجهة المحلية جهة أكبر؟ وهل كان المقصود التذكير بأن إيران ما زالت تعتبر نفسها لاعباً أساسياً في البيئة التي يمثلها “حزب الله”؟
لا يمكن بناء حكم نهائي على حادثة واحدة، لكن لا يجوز أيضاً المرور عليها وكأنها لا تعني شيئاً.
فهي تأتي في مرحلة لبنانية شديدة الحساسية، حيث يدور النقاش حول حصرية السلاح، وسيادة الدولة، ومستقبل الجنوب، ودور القوى المسلحة، وحدود النفوذ الخارجي. وفي الوقت الذي تتحرك فيه الدولة اللبنانية عبر قنوات سياسية ودبلوماسية في روما وواشنطن وغيرها، تبرز على الأرض رموز تقول، بشكل أو بآخر، إن هناك لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاهله.
فهل نحن أمام مجرد حادثة عابرة؟ أم أن المشهد يكشف، ولو رمزياً، أن الصراع على المرجعية داخل البيئة الشيعية اللبنانية قد يدخل مرحلة أكثر حساسية؟
الأمر لا يتعلق بحومين الفوقا وحدها.
إنه يتعلق بما إذا كانت العلاقة بين “حركة أمل” و”حزب الله” دخلت منعطفًا آخر؟ أو وصلت الى حالة صدام غير معلن؟..
وهل ستبقى تحت سقف التفاهمات السياسية التي نجحت طويلاً في ضبط التناقضات، أم أن التحولات الإقليمية واللبنانية بدأت تضغط على هذا التوازن من الداخل؟..
في المقابل، يبقى السؤال الأهم للدولة اللبنانية: هل تستطيع أن تكون هي المرجعية الوحيدة في مناطقها، أم أن هناك من يريد إبقاء القرار موزعاً بين بيروت وعواصم أخرى؟
قد يكون العلم الإيراني الذي ارتفع في حومين الفوقا مجرد لحظة غضب. وقد يكون أكثر من ذلك بكثير.
لكن في بلد اعتاد أن يقرأ السياسة من بين السطور، ربما يجدر التوقف طويلاً أمام السؤال البسيط: لماذا ارتفع علم إيران تحديداً؟
الجواب، أياً كان، يستحق أن يُقرأ جيداً.
