لبنان والفراغات الثلاثة: مختبر حروب الوهم

بقلم: نزار شاكر

من توازن الردع إلى تآكل السيطرة – ماذا يحدث في 31 كانون الأول 2026؟

لسنوات طويلة، اعتدنا أن نقرأ لبنان بسؤال بسيط: من انتصر ومن انهزم؟ لكن هذا السؤال لم يعد كافياً لتفسير ما يجري، لأن ما نشهده اليوم في بيروت والجنوب ليس مباراة بين فريقين، بل لحظة تآكل عميق في قدرة اللاعبين أنفسهم على التحكم في أدواتهم.
إن السؤال الأعمق الذي تفرضه لحظة 30 أيلول 2026 هو: ماذا يحدث عندما تصبح أدوات الردع أكبر من قدرة أصحابها على ضبط مآلاتها؟ هنا تنشأ حالة يمكن تسميتها بـ “حروب الوهم”، ليست وهماً لأنها غير حقيقية، باعتبار أن كلفتها دامغة، بل لأنها تقوم على وهم متبادل: “وهم السيطرة”.
ولكي لا يبقى المفهوم مجرد استعارة، يمكن تعريفه اصطلاحياً بأنه: صراعات حقيقية تديرها ثلاثة عوامل استراتيجية يتوهم كل فاعل أنه يمسك بزمامها: 1- تضخيم صورة القوة لدى الذات والخصم،، 2-سوء تقدير قدرة الآخر على الاحتمال،، 3- فقدان السيطرة على الفاعلين خاصة الوسطاء، حيث يعتقد كل فاعل أنه يضبط الإيقاع، بينما الإيقاع يتفلت من الجميع.
وما يجعل هذه الحروب أشد خطورة اليوم ليس فقط سوء التقدير الاستراتيجي لدى القيادات، بل تحوّل المبادرة إلى ضباط الميدان “صغار الرتب”، حيث يصبح الاحتكاك العشوائي والخطأ التكتيكي اليومي كفيلين بإنتاج تصعيد لا يملك القرار السياسي مفاتيحه، وهو ما يُدخل المواجهة في نطاق “التصعيد غير المقصود”، حيث يحول غياب التنسيق المباشر شرارات التماس الميداني من أخطاء تكتيكية إلى قفزات مفاجئة على سلم التصعيد، تجبر القيادات على الرد لمنع تآكل الردع، لا تنفيذاً لقرار استراتيجي مسبق.
ولبنان اليوم هو المختبر الأبرز والأكثر تكثيفاً لهذه النظرية في الإقليم، لأنه البلد الذي سيشهد في لحظة واحدة متزامنة (كمثال)، هي 31 كانون الأول 2026، انكشافاً لثلاث شبكات أمان (أمنية وسياسية واقتصادية) كانت تحميه منذ عام 2006، وهو ما ينقلنا إلى “معادلة الفراغات الثلاثة المتزامنة”؛ إذ لا يمثل هذا التاريخ انقطاعاً فجائياً، بل هو نقطة ذروة لمسار ممتد من التآكل التدريجي، الذي يُمارس فيه الجميع تكيّفاً اضطرارياً مع سلطة سائلة بديلة عن الدولة.

الفراغ الأول: الأمني – نهاية شاهد الزور

في 31 كانون الأول 2026، تنتهي المهمة الرسمية الحالية لليونيفيل بقرار من مجلس الأمن، لتبدأ مرحلة انتقال وانكشاف أمني تستمر عاماً، هذا ليس مجرد انسحاب متدرج لـ 7500 جندي دولي من 50 موقعاً، 46 منها داخل المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل حالياً، حيث لم تكن اليونيفيل قوة قتالية، بل كانت بمثابة “شاهد” يُؤمّن وجود طرف ثالث يوثّق من بدأ إطلاق النار، والتي بوجودها كان يمكن القول: “إن هناك خرقاً”، وبدونها نعود إلى ما قبل آذار 1978، إذ تدخل المنطقة أول مرة منذ 47 عاماً مرحلة انتقالية تتجه فيها القوة الأممية (التي شكلت عازلها الدولي الأساسي) نحو الشروع في الانسحاب، معيدة الميدان إلى مواجهة مباشرة بلا شاهد، ولا كاميرا، ولا تقرير أممي.
إن خطورة غياب اليونيفيل لا تكمن فقط في سحب الجنود، بل في إضعاف “آليات المراقبة والتحقق الميداني”؛ مما يعني تحويل أي حركة ميدانية أو هندسية إلى “حالة اشتباه مؤكدة” تُعالج فوراً بالقصف المركّز والضربات الوقائية بدلاً من قناة الاعتراض الأممية، فيلغى الهامش الدبلوماسي بين الاشتباه والاشتعال.
وهنا يكمن السؤال الانفرادي: من سيرث مواقع اليونيفيل؟ هل هو سباق ملء الفراغ أم سباق منع تشكله؟ أهو الجيش اللبناني الذي عرضت باريس في 17 أيلول تشكيل ائتلاف دولي لدعمه لكنه لا يملك تمويلاً؟ أم إسرائيل التي تتحدث القناة 12 عن انتقالها لمرحلة جديدة تستهدف إقليم التفاح ومرتفعات جزين بعد تلة علي الطاهر؟ أم قوى هجينة جديدة ستولد في الفراغ كما ولدت عام 1975؟ هذا هو المزاد الصامت على السيادة الذي يجري اليوم تحت غبار غارات الأباتشي على طريق شوكين – ميفدون، وقصف دبابات الميركافا لبلدة حداثا، ونسف المنازل في المنصوري وغيرها.

الفراغ الثاني: السياسي – إدارة الانتظار
كل المؤشرات حتى صباح اليوم تقول إن لبنان دخل مرحلة “إدارة الانتظار”؛ فالجولة الثامنة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل تأجلت بلا موعد، والسفير الأميركي ميشال عيسى أوحى بأنها قد تتداخل مع انتخابات الكنيست في نوفمبر والانتخابات النصفية الأميركية.
الرئيس جوزاف عون يحاول تثبيت معادلة “التفاوض مدخل للوصول إلى الاستقرار”، والتي تقف نداً لمعادلة: (انتشار الجيش + حصرية السلاح)”، فيما التقى رئيس الحكومة نواف سلام في واشنطن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلا أن المؤشرات توحي بأن واشنطن قررت عملياً أن لبنان ليس ملفاً مستعجلاً.
وهنا تظهر البالونات الاستراتيجية في أصفى صورها: الدولة في بيروت تعتقد أنها تدير الوقت بانتظار الانتخابات، بينما الوقت هو من يديرها، فكل يوم تأخير هو يوم تتمدد فيه إسرائيل ميدانياً، من وادي زبقين حتى الخيام وميس الجبل ودير ميماس، تحت عنوان “الضغط العسكري”، وكما يقول دبلوماسي لبناني: “أن هدوء الميدان لا يعني هدوءاً تفاوضياً، بل يعني أننا نعيش فاصلاً بين مرحلتين عسكريتين”.
وفي هذا السياق، تبرز حقيقة بنيوية عن الفاعلين المحليين، لقد سقطت ثنائية “الأذرع” مقابل “الاستقلالية”؛ نحن أمام قوى هجينة تملك: مشروعاً محلياً، ومصلحة قيادية، وشبكة دعم إقليمية، وهامش قرار مستقل. وكما يخلص الباحث الاستراتيجي “مايكل نايتس” في دراساته حول ديناميات الجماعات الهجينة، عندما يكتسب الوكيل اقتصاده وجمهوره، يصبح التفاهم معه أصعب على راعيه من التفاهم مع خصمه.
وتتشابك هذه الديناميكية مع “معضلة الأصيل والوكيل”؛ إذ يتحول الوكيل الهجين بعد استكمال اقتصاده الموازي وبيئته الحاضنة من مجرد “أداة تنفيذية” لراعيه الإقليمي إلى “شرط تفاوضي قائم بذاته”، يملك القدرة على تعطيل التفاهمات الكبرى إذا لم تؤمن له وزناً محلياً محفوظاً، وهذا يفسر لماذا لم يحصل الرئيس نبيه بري حتى اليوم على جواب نهائي من حزب الله حول مستقبل سلاحه بعد تلة علي الطاهر، لأن القرار لم يعد قابلاً للفصل عن حسابات طهران الإقليمية ومسارات تفاوضها غير المباشرة مع واشنطن عبر الوسطاء وتفاهمات الإقليم.
غير أن التطور اللحظي الأكثر خطورة يتمثل في تفكك الارتباط الآلي بين جبهات الإقليم والتفاهمات الكبرى، فلم تعد الصفقة في الخليج أو هرمز قادرة على فرض تهدئة ميكانيكية أوتوماتيكية على الأرض اللبنانية، بعدما اكتسبت المحركات الميدانية المحلية قدرة على إنتاج التصعيد ذاتياً.

الانكشاف الثالث: المالي والمؤسساتي – السيادة كشرط مسبق

في الوقت نفسه، وزير المالية ياسين جابر في واشنطن لا يفاوض على أرقام، بل على تعريف؛ فالاشتراطات الدولية، بالتوازي مع مسار صندوق النقد، جعلت إعادة بناء القدرة المالية والمؤسساتية للدولة مدخلاً رئيسياً لأي حزمة دعم، بينما أضحت حصرية السلاح شرطاً سيادياً وسياسياً لإعادة تعويم الشرعية، وليس مجرد مخرج تفاوضي جانبي؛ وعليه ولأول مرة في تاريخ لبنان أصبح تعريف “الدولة” وتأكيد قدرتها المؤسساتية هما الفاتورة التي يجب دفعها مقدماً.
وفي الداخل، رابطة موظفي الإدارة العامة تعلن الإضراب، والمحروقات ترتفع، والقدرة الشرائية تتراجع، وهذا الانكشاف المالي يمثل الوجه الأقسى لحروب الوهم؛ فالصراع لا يبقى حبيس غرف العمليات، بل يترجم مباشرة إلى رغيف خبز، ويستنزف الجاهزية التشغيلية للمؤسسات الأمنية والخدماتية نفسها، مما يولد “عجزاً مؤسساتياً متسلسلاً” يضرب الجاهزية التشغيلية للأجهزة العسكرية والأمنية؛ ويجعل الحديث عن “حصرية السلاح وتمدد الدولة” مجرد شعار نظري يصطدم بشرعية عاجزة لوجستياً عن ملء أي فراغ.

ديناميكية الانفجار: كيف ننتقل من الفراغ إلى الفوضى؟

كيف ننتقل من توازن هش إلى تآكل كامل؟ يتم ذلك عبر منطق توماس شيلينغ في إدارة المخاطرة والردع، وما تعرّفه أدبيات الصراع الاستراتيجي بـ “سلم التصعيد”، غير أن المفارقة هنا تكمن في انهيار الافتراض الأساسي لهذا النموذج، فبينما يفترض النموذج الكلاسيكي أن الطرفين يعرفان متى يتوقف الألم ويستطيعان إدارة خط الهاوية، فإن مأساة “حروب الوهم” اليوم تكمن في غياب هذا اليقين، فلا أحد يعرف أين تنتهي أدواته أو أين تقع حدود احتمال الخصم.
فبينما يفترض النموذج الكلاسيكي وجود “إشارات واضحة” وتبادل عقلاني لرسائل الألم، تحجب ضوضاء “حروب الوهم” هذه الإشارات؛ ليتحول الصراع من إدارة حذرة لخط الهاوية إلى حالة من “العمى الاستراتيجي المتبادل”، يغيب معها خط النهاية عن جميع الأطراف، وتتحول المواجهة حينها إلى دوامة أوتوماتيكية: ضربة لإعادة ترسيخ الردع، يليها رد لمنع تآكله، ثم يتَدَخل طرف ثالث للضبط، فيتدخل رابع لمنع انفراد الثالث، وهذا هو جوهر حروب الوهم: الجميع يعتقد أنه يدير التصعيد، بينما التصعيد يدير الجميع.
نحن لا ندخل بالضرورة حرباً كبرى واحدة حاسمة، بل نختبر مجموعة معارك صغيرة متزامنة تستنزف الجميع: في البحر الأحمر، وعلى الحدود التركية، وفي غزة، وفي الجنوب اللبناني، إلا أنه عندما تنفجر البالونات الصغيرة بشكل متزامن، يُلغى السؤال التقليدي “من بدأ الحرب؟” ليحل محله السؤال الأقسى الذي يحذر منه مركز “راند للدراسات الاستراتيجية” في نماذج إدارة التصعيد متعدد الأوجه: “من لا يزال قادراً على إيقافها؟”.

لبنان من الوهم المنظم إلى الفوضى المنظمة

لقد انتقل الإقليم من توازن ردع يضبطه الكبار إلى تآكل سيطرة يعاني منه الجميع، ولبنان هو النموذج الأكثر وضوحاً، ففي 31 كانون الأول 2026، ستصل ثلاث شبكات أمان إلى نقطة انكشاف حاسمة، ليجد اللبنانيون والمجتمع الدولي أنفسهم في سباق محموم: هل تملك الدولة والمبادرات الدولية القدرة على استباق الانهيار ومنع تشكل الفراغ، أم أننا أمام مزاد مفتوح على السيادة، وهو المزاد الذي لا يملك أحد فيه القدرة على تحديد نهايته.
وهنا يكمن وهم السيطرة الأخير: أن تعتقد الدولة أنها ملزَمة بملء الفراغ، بينما هي نفسها تُستنزف مؤسساتياً وتفقد القدرة على ملئه.
وحينها تتجلى حروب الوهم في أصفى صورها: عندما تصبح القدرة على الإيذاء أكبر بكثير من القدرة على التحكم بالنتائج، فيتحول وهم السيطرة إلى فوضى منظمة، حيث إن من يدفع الثمن هو المواطن في حصار ميناء وانقطاع كهرباء وارتفاع سعر رغيف الخبز.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top