من يملك حق إعلان الانتصار؟

بقلم الياس عيسى الياس

أن يُطلب من مواطن يتأمل ركام بيته أن يبتسم للكاميرا لأن «البنية العسكرية بخير»، فذلك هو الخراب الأشد إيلاماً؛ إذ تُمحى قراه عن الخريطة، ثم يُمنع حتى من البكاء عليها.

وأن يُطالَب المشرّد بتوزيع حلوى الصمود على قارعة الطريق فقط لأن مخازن الذخيرة لم تُمَس، أو أن يُقنَع النازح تحت الخيمة بأن خسران سقف عمره مجرد تفصيل تكتيكي لا يُغيّر من معادلة الردع، فذلك هو الانتصار الشكلي في أتم صوره: انتصار يُبنى على سحق الإنسان، روحه قبل حجره.

تتجلى هذه المعضلة اليوم في الشارع اللبناني من خلال واقعتين تعكسان التناقض الحاد في الموقف من الحرب؛ فمن جهة، تقف عبير مروة، المواطنة التي أطلقت في النبطية صرخة مفجوعة تساءلت فيها عن مصير بيتها وقريتها، وطالبت بحماية بلدها وإعادة إعمار ما تهدم في ظل دولة تحضن أبناءها وتفاوض بكرامة.

غير أن هذه الصرخة الإنسانية واجهت حملات تخوين واغتيال معنوي على المنصات الرقمية.

وفي المقابل، يبرز خطاب إعلامي تعكسه تصريحات الصحافية سحر غدار التي رأت ألا مشكلة في احتلال «مئة ضيعة» ما دامت «المقاومة والبنية العسكرية بخير»، واعتبرت أن خسارة البلد كله أهون من خسارة الحزب.

وهو منطق يُفهم منه أن دمار القرى وتشريد أهلها ليس إلا حاشية طفيفة في هامش الخطاب.

ومع أنه رأي إعلامي، فإنه يُنتج مناخاً يُجرّد من يبكي على أرضه من وطنيته، ويُلبس البلادة ثوب البطولة؛ وهو خطاب يطلب من امرأة مفجوعة أن تهتف بالنصر وفوق يدها غبار دارها، ليصبح الهتاف قناعاً فوق وجه الفاجعة.

هذا المشهد يضعنا أمام أسئلة إنسانية تمس نسيجنا الاجتماعي: كيف تحوّلت القرية اللبنانية إلى نقطة صماء على خريطة في غرفة عمليات بعدما كانت «الضيعة» الدافئة وشقاء العمر، بيتاً بناه أب بعرق ثلاثين عاماً من الغربة، وحقل زيتون تعبت في رعايته يدان أنهكهما المشيب، ودكاناً صغيراً تنبض به الحياة؟

وحين يُقال إن تحويل هذه القرى إلى رماد لا يغير من جوهر الموقف ما دامت التشكيلات متماسكة، يُختزل الوجدان الإنساني إلى حجر قتالي أصم، وتُحوَّل الحسرة في عيون الآباء إلى استعراض إجباري للصلابة أمام الشاشات.

يُطلب من النازح المتروك لعرائه أن يبتلع غصته ويتصنع الابتسامة، ولا شك أن كثيراً ممن يؤيدون حزب الله يعتصرون ألماً على دار هُدمت وأرض ضاعت، دون أن يُتاح لجرحهم أن يُسمع.

وحين يُراد للمواطن أن يُتقن أدوار البطولة في مأساة لم يخترها، وتُغلق أمامه حتى مساحة الصمت، تُصبح الشعارات أثقل حِملاً من الركام نفسه.

ومن هنا يتبدى الخيط الرابط بين مأساة الناس وسؤال السياسة: فالذين لم يشاركوا في قرار الحرب يُطلب منهم اليوم أن يدفعوا ثمنها كاملاً من أعمارهم وأرزاقهم، ثم أن يصفقوا لخراب ديارهم.

إن الوظيفة الأساسية للدولة هي أن تمسك بيد أبنائها وتصون كرامتهم وتحتكر قرار الحرب والسلم عبر مؤسسات جامعة؛ لكن حين يحتكر حزب واحد هذا القرار المفصلي، يُعاد تعريف الهزيمة والانتصار بصورة مقلوبة.

فمن يملك حق إعلان الانتصار حينها: من فقد بيته وأرضه، أم من يُحصي مخازن الذخيرة وساعات الصمود؟

قد يحتج أصحاب هذا الطرح بأن الاعتداءات الإسرائيلية سابقة على حرب الإسناد وعلى سلاح الحزب، وبأن هذا السلاح ضرورة للردع. والعدوانية الإسرائيلية حقيقة تاريخية لا جدال فيها ومسؤولة مباشرة عن أفعال التدمير والقتل.

غير أن ذلك لا يبرر استرخاص القرى ومصادرة القرار الوطني؛ إذ إن جبهة الجنوب الأخيرة انطلقت بقرار أحادي من الحزب وحده تحت اسم «حرب الإسناد»، وانتهت بتوسّع الاحتلال والتدمير الممنهج لبلدات كالخيام وكفركلا وغيرهما.

وهذا النمط من استدعاء الانتصارات من فوق الركام ليس جديداً؛ إذ عرفت التجربة العربية عقب هزيمة حزيران 1967 خطاباً رسمياً يُعوّض خسارة الأراضي بالتمسك بكرسي السلطة عبر مقولة إفشال هدف العدوان في إسقاط النظام، بصرف النظر عن طمس الهزائم وضياع سيناء والجولان والضفة والقدس وغزة.

واليوم يُستعاد النموذج نفسه في لبنان: يُطلب من المجتمع تحمل النتائج ومسح الدموع، بينما تُقاس النتائج ببقاء البنية القتالية حية.

وتزداد المشكلة تعقيداً حين يُحاط القرار السياسي بسياج عقائدي يمنع المساءلة؛ إذ يميل بعض خطاب الحزب ومؤيديه إلى اعتبار المطالبة بشرعية الدولة أو مساءلة جدوى الحرب ضعفاً في الإيمان أو نكوصاً عن المواجهة.

وفي ظل ضعف مؤسسات الدولة، ثمة خشية مشروعة من أن يُربط إحياء القرى وتوزيع مساعدات الإعمار بالولاء السياسي، بدل أن يكون حقاً أصيلاً ومكفولاً للجميع عبر مؤسسات لا تبتز المتضررين في أرزاقهم.

في النهاية، لا تُبنى الأوطان باستبدال الحياة بالشعارات، ولا بجعل الفاجعة شأناً عابراً في حسابات القوة.

ولعل الابتسامة المطلوبة أمام الكاميرا تبقى مطلب أولئك الذين يطاردون أوهام القوة، أما الدمعة المحظورة والبيت المهدّم فسيظلان الحقيقة الوحيدة التي تجيب عن سؤال الانتصار.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top