غرفة بلا مخرج :حين يعمي الغرور العسكري أصحاب القوة

بقلم الياس عيسى الياس

 تبدأ بعض الحروب بوهم حاسم: أن القوة العسكرية قادرة على فرض إرادة الأقوى سريعاً. ثم يصطدم ما بدا في الحسابات الأولى عملية قصيرة ومحدودة بالواقع الميداني، فيتحول إلى مأزق يستنزف الجميع. وفي الأدب الفلسفي صورة تختصر هذا المأزق: مسرحية «لا مخرج» (1944) لجان بول سارتر. لا يتجسد الجحيم فيها بأدوات التعذيب، بل في غرفة مغلقة يُحشر فيها ثلاثة أشخاص، فيصيرون أسرى نظرات بعضهم وأحكامهم. ومنها جاءت العبارة الشهيرة: «الجحيم هو الآخرون». غير أن أهم ما في المسرحية الباب الذي ينفتح في لحظة ما، ومع ذلك لا يخرج أحد؛ فقد ارتهنت ذواتهم لوجود الآخر، وصار الجحيم المألوف أهون عليهم من مواجهة المجهول في الخارج. لا أقصد إقحام الفلسفة الوجودية في السياسة، بل استعارة صورتها لقراءة الحسابات العسكرية. فأزمة الحروب التي يغذيها الغرور لا تبدأ مع الطلقة الأولى، بل في اللحظة التي يجزم فيها صانع القرار بأنه يعرف كيف ستنتهي. عندها تحل الأوهام محل قراءة الميدان، وتصبح الحرب غرفة مغلقة: الاستمرار فيها مكلف، والتراجع عنها مهين. وهذا ما فسّرته المؤرخة الأميركية باربرا توكمان في «مسيرة الحماقة»: تتمسك الدول والمؤسسات بمسارات ثبت تعثرها، لا لنقص في المعلومات، بل لأن الاعتراف بالخطأ يبدو أكثر كلفة من التمادي. وللتاريخ شواهد. دخل نابليون موسكو عام 1812 مراهناً على حسم سريع، ومكث فيها نحو خمسة أسابيع ينتظر استسلاماً من القيصر لم يأتِ، وطريق الانسحاب مفتوح أمامه. أسره وهم النصر القريب حتى أهلك البرد والإنهاك فلول جيشه. وبعد أكثر من قرنين، دخلت روسيا أوكرانيا عام 2022 برهانات خاطفة، فوجدت نفسها في حرب استنزاف طويلة. واليوم تتجلى الدينامية ذاتها في الحرب التي تخوضها واشنطن وإسرائيل ضد إيران منذ 28 شباط. فقد كتب نيكولاس كريستوف في «نيويورك تايمز» بتاريخ 3 تشرين الأول أن الرئيس دونالد ترامب عالق في «لا مخرج»، وأن الغرور هو الذي قاده إلى الحرب. فبعد تسعة أيام من بدئها أعلن أنه ينتصر بشكل حاسم، وأعلن وزير دفاعه بيت هيغسيث في نيسان نصراً ساحقاً جعل إيران عاجزة قتالياً لسنوات. لكن وقائع الأيام الأخيرة لا تشبه لغة النصر. فقد رفض ترامب شروط طهران لإعادة فتح مضيق هرمز، وقال إن القرار قادم «بالطريقة السهلة أو الصعبة»، ولوّح بضربات جديدة بعد انتخابات التجديد النصفي. وفي واشنطن، اجتمع كبار المسؤولين في كامب ديفيد برئاسة جي دي فانس لبحث الحرب، ومعها الاشتباك السعودي ـ الحوثي في اليمن. وفي المقابل، لا تبدو طهران أقل تمسكاً بسقفها. فقد أعلن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن المضيق لن يُفتح قبل تحقق سبعة شروط، ووصف الرئيس مسعود بزشكيان التفاوض بأنه بلا معنى لأن بلاده تعرضت لثلاث هجمات بعد جولات تفاوض. وحتى حين يقول وزير الخارجية عباس عراقجي إن لا حل عسكرياً، فإنه يضيف أن أي هجوم جديد سيقابَل بدفاع أشد. ويستند كريستوف إلى الخبير فالي نصر، الذي يرى أن طهران خلصت إلى أن نجاتها لا تكون إلا بالخروج بقوة السلاح، وأنها قد تزيد هجماتها على الملاحة وتضرب منشآت النفط في الخليج إذا تعرضت لهجوم. وهنا تتضح الصورة: الغرفة مشتركة. افترضت واشنطن وإسرائيل أن الحرب والحصار سيدفعان النظام الإيراني إلى الخضوع، فرفعت طهران سقف ردعها. وأصبحت واشنطن عاجزة عن فرض الاستسلام من دون حرب أوسع، وأضحت طهران عاجزة عن التراجع من دون المراهنة بوجودها. وبينهما يتسع الحريق، حتى بلغ اليمن، وأبدى الأمين العام للأمم المتحدة قلقه العميق من تصعيده الحاد. ولأن منطقتنا هي الساحة الفعلية لهذه المواجهة، فإن لبنان والجنوب يدفعان الثمن الأقسى. نجد أنفسنا محتجزين داخل الغرفة الإقليمية ذاتها: وطن يتحول إلى ساحة لتبادل الرسائل بين أطراف ترفض التراجع، وأمن واقتصاد رهينة لحسابات ردع لا نملك قرارها. والسؤال الذي يواجه اللبنانيين وصناع القرار فيهم هو: كيف نمنع سقوط ما تبقى من الدولة في غرفة لا نملك مفتاحها؟ وربما كانت المفارقة الأشد قسوة أن باب الخروج ليس موصداً. فكما انفتح الباب في مسرحية سارتر ولم يخرج أحد، ثمة مسارات وساطة وتراجعات تدريجية تحفظ ماء الوجه. لكن المشكلة تبدأ حين يرفض كل طرف أن يكون الأول في عبور العتبة، فيضحي بالاستقرار في سبيل وهم حسم لم يعد ممكناً. عندها لا يعود السؤال: كيف ننتصر؟ بل يصبح السؤال الأصعب: كيف نملك شجاعة الخروج من الغرفة التي أغلقنا بابها بأيدينا؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top