مائدة بلدة بشرّي وسؤال المعنى

بقلم الياس عيسى الياس

في مقطع مصوّر شاع على منصات التواصل الاجتماعي لعائلة من أربعة عشر طفلاً في بلدة بشرّي بشمال لبنان، تتحدث الأم بعفوية عن شرائها الأكل بالصناديق لا بالكيلو، وعن إفطارهم الذي يستهلك كرتونة بيض وسبع ربطات خبز يومياً، وكيف تزعجها أسئلة الجيران المتكررة عن سبب كل هذا العدد. وهي أسئلة تعكس نظرة الاستغراب التي باتت المجتمعات تنظر بها إلى الأسر الكبيرة.

وفي لقطة حول المائدة، يختصر الأب موقفه بكلمات بسيطة: «في باطون كثير، وين ما كان في باطون.. إذا ما في أولاد وعيلة ما بنبسط».

هذه اللقطة تفتح سؤالاً أكبر من عدد الأرغفة وعلب البيض: ماذا يحدث للعائلة حين لا يعود الطفل ضرورة اقتصادية، بل يصبح خياراً مكلفاً يحتاج إلى سبب يتجاوز الحساب؟

وليست المشكلة في كلفة الطفل وحدها، بل في تراجع المعنى الذي نمنحه لوجوده.

قد يبدو الطفل للوهلة الأولى كأنه حصان زماننا؛ فقبل ظهور السيارات، كان الحصان جزءاً أساسياً من عيش الناس في المجتمعات الزراعية، يحرث الأرض ويحمل البضائع. وعندما جاءت السيارة، تحوّل تدريجياً إلى هواية مكلفة لمن يملك فائضاً من الوقت والمال.

غير أن هذا التشبيه ينهار عند أول اختبار إنساني؛ فالحصان حين فقد وظيفته العملية، فقد مبرر وجوده الاقتصادي، بينما الطفل، حين فقد دوره الاقتصادي القديم، لم يفقد قيمته الإنسانية، بل بقيت وراءه مساحات واسعة من الذاكرة والمساندة الوجدانية.

في المجتمعات التقليدية، كان الإنجاب استثماراً وركيزة للبيت؛ فالطفل كان يداً إضافية في الحقل، وسنداً لوالديه عند الكبر في زمن لم تكن فيه أنظمة تقاعد ولا مؤسسات رعاية اجتماعية.

لكن الحداثة فككت هذه المعادلة، إذ انتقل الإنتاج إلى المعامل والمكاتب، وصار الطفل يحتاج إلى سنوات طويلة من الإنفاق والتعليم قبل أن يستقل بذاته. ومع تحول هيكلية المجتمع، أصبحت التربية تتطلب تضحيات جسيمة في الوقت والجهد من الوالدين على حد سواء.

ومع الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وتراجع المنافع المادية المباشرة، يتجلى انخفاض الرغبة في تكوين عائلات كبيرة اليوم في بلدان مثل اليابان وكوريا الجنوبية وإيطاليا وإسبانيا، حيث تتضافر كلفة السكن وتأخر سن الزواج مع ثقافة العمل الضاغطة لتخلق أزمة ديموغرافية غير مسبوقة.

غير أن المسألة ليست مالية فحسب؛ فالحياة الحديثة وفرت للإنسان أيضاً بدائل وإمكانات واسعة للعيش باستقلال عن العائلة الممتدة.

لكن الاستقلال عن العائلة ليس بالضرورة تحرراً من الحاجة إليها: فقد رافق أنماط العيش الحديثة شعور متزايد بالوحدة وتآكل شبكات الأمان الاجتماعي التي كانت تُبنى بين الأقارب.

في كتابها «أطفال حنة» (Hannah’s Children, 2024)، درست الاقتصادية الأميركية كاثرين باكالوك حالة 55 امرأة أميركية متعلمة جامعياً اخترن إنجاب خمسة أطفال أو أكثر.

ورغم أن هذه العيّنة محدودة وترتبط بمجموعات ذات خلفيات إيمانية متماسكة ولا تكفي لإثبات اتجاه عام، فقد كشفت روايات المشاركات أن قرار الإنجاب لم يُختزل في الحساب المالي، بل ارتبط بالرغبة في بناء حياة يشكّل الأبناء ركناً رئيسياً فيها.

ولا يعني ذلك أن البحث عن المعنى حكر على المتدينين، بل يشير إلى أن المعنى يتسلل غالباً إلى خيارات الناس حين تتوارى الأسباب الاقتصادية المباشرة.

ولهذا لا تبدو الحوافز المالية والمساعدات الحكومية كافية وحدها لعكس الاتجاه الديموغرافي؛ كوريا الجنوبية مثلاً أنفقت مبالغ طائلة على مدى العقدين الماضيين لتشجيع الإنجاب، ومع ذلك سجلت من أدنى معدلات الخصوبة في العالم (نحو 0.72 عام 2023).

صحيح أن عوامل أخرى، كأسعار العقارات وضغط سوق العمل، تؤدي دورها، لكن المال قد يخفف كلفة القرار ولا يخلق الرغبة فيه من الصفر؛ وهنا يبرز غياب المعنى واليقين حلقةً كثيراً ما تغيب عن التحليلات الاقتصادية.

وما لا يشتريه المال أراه في ذاكرتي، في عائلة جيراننا القدامى التي كبرت وفيها ثمانية أبناء: ستة شبان وفتاتان.

لم يكمل بعضهم تعليمه العالي، ولم تخلُ حياتهم من ضيق الموارد وحسابات الإخوة المعقدة، لكنهم عاشوا حياة مستورة يشد بعضهم أزر بعض. كان بينهم سند لا تمنحه أي ميزانية: أن تجد دائماً من يفهمك دون شرح، ويحفظ حكايات طفولتك، ويشاركك المسيرة دون مقابل.

والحجة هنا ليست أن الكثرة أفضل دائماً، بل إن للسند الأخوي ولحضور العائلة الممتدة قيمة لا تُسعَّر، ففي كنفها يتعلم الطفل أن العالم لا يدور حوله وحده.

وأنا لا أكتب هذا من موقع من ينظر إلى الأسرة من البعيد؛ أنا أب لابنة وابن، وأعيش تفاصيل الأبوة بحب وخوف يومي عليهما وعلى غدهما. أنظر إليهما وأعرف أن دوائر القرابة في حياتهما ستكون أصغر بكثير مما عرفته البيوت السابقة.

ولا أقول هذا لأحاكم الأسرة الصغيرة، أو لأغفل الجهد الشاق والعبء الجسدي والنفسي الذي تتطلبه تربية العائلات الكبيرة، فدفء البيوت لا يُقاس بأعداد المقاعد حول المائدة.

لكن ما يقلقني هو أن تفقد مجتمعاتنا، بتراجع العائلة الممتدة، مخزوناً كبيراً من الحكايات والتضامن الإنساني.

وفي لبنان، تبدو المسألة أكثر قسوة؛ فالبيانات الإحصائية والتقديرات الديموغرافية تشير إلى انخفاض ملحوظ في معدل الخصوبة وتزايد معدلات هجرة الشباب وسط انسداد الآفاق الاقتصادية. الشاب الذي يواجه ضبابية المستقبل يصعب عليه النظر إلى الإنجاب باعتباره قراراً عادياً.

ومع ذلك، تأتي حالة عائلة بشرّي لتطرح المفارقة اللبنانية بأوضح صورها: كيف تختار عائلة، في ظروف تبدو ضاغطة اقتصادياً، أن تبني بيتاً عامراً بالأبناء؟

الجواب هنا لم يكن حساباً مالياً، بل كان انحيازاً لمعنى يرى في الإنسان أصل الثروة لا عبئاً عليها.

إن أزمة الإنجاب المعاصرة لا تكمن في أن الطفل أصبح أكثر كلفة فحسب، بل في تعاظم القلق الفردي والشك في قدرة المجتمعات على استشراف المستقبل.

فالطفل ليس مشروعاً استثمارياً ننتظر منه أرباحاً، بل هو إعلان ثقة بالحياة ووعد بأن الحكاية لم تنتهِ.

وحين تعود بنا الذاكرة إلى مائدة بشرّي وإلى صوت الأب وهو يرى في ضجيج أبنائه جواباً على صمت مدن «الباطون»، ندرك أن السؤال الذي يسبق كل اقتصاد ليس كم يبلغ سعر الحليب أو قسط المدرسة، بل: ماذا بقي في حياتنا من معنى يجعلنا نقول: نريد لهذه الحكاية أن تستمر؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top