كيف نبني دولة ديمقراطية بأحزاب لا تمارس الديمقراطية؟

بقلم د. عامر حلواني

لا تقوم الدولة الديمقراطية الحديثة على الدساتير والقوانين والمؤسسات وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى أحزاب سياسية ديمقراطية تشكّل مدارس للتربية السياسية، ومختبرات لإعداد القيادات، وأطراً لاكتساب الخبرة والمناقبية الأخلاقية والمهنية في إدارة الشأن العام.
فمن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن النجاح في مهنة أو اختصاص يؤهّل صاحبه تلقائياً لتولّي المسؤوليات السياسية. فليس كل أستاذ جامعي ناجح أو صناعي متميز أو اقتصادي بارع أو محامٍ لامع أو نقابي ناجح مؤهلاً بالضرورة لأن يكون نائباً أو وزيراً ناجحاً.
ذلك أن العمل السياسي اختصاص قائم بذاته، يحتاج إلى معارف ومهارات وتجارب لا تعوّضها الشهادات الجامعية أو الخبرات المهنية وحدها. فالقدرة على إدارة مؤسسة خاصة تختلف عن إدارة مؤسسة عامة، والنجاح في الدفاع عن مصالح فئة معينة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التوفيق بين مصالح المجتمع المختلفة.
ولعل التجربة اللبنانية في الاستعانة بما يسمى «وزراء الاختصاص» تستحق مراجعة جدية، إذ إن المعرفة التقنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لقيادة السياسات العامة واتخاذ القرارات وبناء التوافقات وتحمل المسؤولية السياسية.
والخبرة في العمل العام، شأنها شأن أي خبرة أخرى، لا تُكتسب بالمعرفة النظرية وحدها، بل بالممارسة والتجربة وتراكم المسؤوليات. غير أن التجربة في الشأن العام لا يجوز أن تبدأ من أعلى مواقع السلطة، لأن أخطاءها يدفع ثمنها المواطنون والدولة.
وهنا تبرز أهمية الأحزاب الديمقراطية بوصفها مختبرات لإعداد القيادات، بدلاً من تحويل مؤسسات الدولة والمواطنين إلى ميدان لاختبار أهلية المسؤولين.
ففي الحزب الديمقراطي يتعلّم المواطن العمل الجماعي، ومناقشة الأفكار، واحترام الرأي المخالف، وقبول نتائج الانتخابات، والخضوع للمساءلة والمحاسبة. كما يتدرّج في المسؤوليات، وتُختبر قدراته وتُكتشف مؤهلاته.
فمن الأعضاء من يبرع في العمل التنظيمي أو النقابي أو البلدي، ومنهم من يمتلك قدرات تشريعية ورقابية، ومنهم من يصلح للعمل التنفيذي والحكومي. وليس بالضرورة أن يكون الناجح في أحد هذه المجالات ناجحاً في المجالات الأخرى. فالنائب الناجح ليس بالضرورة وزيراً ناجحاً، كما أن المسؤول التنظيمي المتميز قد لا يصلح لتولّي مسؤولية حكومية.
ولا تقتصر وظيفة الأحزاب على إعداد القيادات، بل تشمل أيضاً تحويل مطالب المواطنين إلى برامج سياسية، وتنظيم التنافس السلمي على السلطة، ومراقبة أداء الحكومات ومحاسبتها، وضمان الاستمرارية في العمل السياسي، وتجديد النخب وإشراك الشباب والنساء في الحياة العامة.
ولعل إحدى أهم وظائفها، خصوصاً في مجتمع متنوع كلبنان، هي جمع المواطنين من مختلف الانتماءات الدينية والطائفية والمناطقية حول برامج وطنية مشتركة، ونقل التنافس السياسي من صراع الهويات إلى التنافس بين الأفكار والمشاريع.
لكن قيام الأحزاب بهذه الأدوار يفترض شرطاً أساسياً: أن تكون هي نفسها مؤسسات ديمقراطية.
الأزمة البنيوية للأحزاب اللبنانية
يمتلك لبنان تاريخاً حزبياً طويلاً، أسهمت خلاله أحزاب وتيارات مختلفة في نشر الوعي السياسي وتنظيم الشباب والطلاب والنقابات وإعداد قيادات للحياة العامة. غير أن التجربة الحزبية اللبنانية كشفت، ولا سيما منذ الحرب الأهلية، عن اختلالات بنيوية عميقة.

أولى هذه الاختلالات هي غياب الديمقراطية الداخلية والتداول الفعلي للقيادة في العديد من الأحزاب. ففي كثير منها، تستمر القيادات الأساسية لعقود طويلة، وتتركز القرارات في يد الزعيم أو الحلقة الضيقة المحيطة به، وتتحول الزعامة أحياناً إلى وراثة سياسية. وهكذا يتراجع الحزب بوصفه مؤسسة جماعية، ليصبح تنظيماً قائماً على الولاء لشخص أو عائلة أو مجموعة نافذة.
أما الاختلال الثاني فهو الانغلاق الطائفي والمذهبي الذي بات يطبع معظم القوى الحزبية النافذة. فبدلاً من أن تكون الأحزاب وسيلة لتجاوز الانقسامات المجتمعية، أصبحت في حالات كثيرة أداة لإعادة إنتاجها، تستمد شرعيتها من ادعاء تمثيل الطوائف والدفاع عن حصصها في السلطة، بدلاً من التنافس على أساس البرامج والسياسات العامة.
وفي هذا السياق، تستحق الأحزاب اللبنانية التاريخية وقفة نقدية خاصة. فقد راكم بعضها، منذ ما قبل الاستقلال والعقود الأولى التي تلته، تجارب تنظيمية وسياسية وفكرية غنية، وامتلك مؤسسات شبابية وطلابية ونقابية، واستقطب في مراحل مختلفة مناصرين من بيئات دينية واجتماعية متنوعة.

ولذلك، كنا نطمح إلى أن تكون هذه الأحزاب، بما تمتلكه من تاريخ وتجربة وخبرة، قاطرة لتطوير العمل الحزبي في لبنان، ونموذجاً للانتقال إلى أحزاب ديمقراطية وطنية حديثة.
وكان من المفترض أن يشكّل انتهاء الحرب الأهلية فرصة لمراجعة نقدية شجاعة لتجربتها، وتجديد أفكارها وأنظمتها الداخلية، وترسيخ تداول القيادة، والانفتاح على الشباب من مختلف الطوائف حول برامج وطنية معاصرة.

إلا أن هذا التحول لم يتحقق بالمستوى المأمول. فقد بقي عدد من هذه الأحزاب أسير إرث الحرب وانقساماتها، وعاد بعضها إلى انغلاق طائفي أشد مما عرفه سابقاً، ولم يتمكن من توظيف خبرته الطويلة في تجديد الحياة السياسية. وكان ضياع فرصة الريادة هذه خسارة للحياة الحزبية اللبنانية بأكملها.

وثمة اختلال أكثر خطورة يتمثل في تحوّل بعض البنى الحزبية والقيادية إلى شبكات للمصالح والنفوذ والزبائنية السياسية. فحين يُستخدم النفوذ الحزبي للتحكم بالتعيينات والتلزيمات وحماية المصالح الخاصة والتدخل في عمل المؤسسات الرقابية والقضائية، يصبح الحزب جزءاً من منظومة تقوّض الدولة وسيادة القانون.

وقد تتخذ بعض هذه الممارسات طابعاً مافيوياً عندما ترتبط بالحماية المتبادلة وتعطيل المحاسبة والترهيب، مع ضرورة التمييز بين الزبائنية والفساد السياسي وبين الجريمة المنظمة التي يتطلب إثباتها أدلة محددة.

والأخطر أن هذه الممارسات، حيث توجد، تفسد الوظيفة التربوية للحزب نفسه، إذ يصبح معيار التقدم داخله القرب من مراكز النفوذ والقدرة على تأمين المصالح، بدلاً من الكفاءة والنزاهة والمناقبية.

وترافق ذلك مع تراجع الدور الفكري والبرنامجي لكثير من الأحزاب، وتحولها من مؤسسات لإنتاج الأفكار والسياسات العامة إلى أدوات للتعبئة الانتخابية والدفاع عن مواقف القيادات، ما أضعف قدرتها على استقطاب الشباب وتجديد الحياة السياسية.

نحو قانون حديث للأحزاب السياسية
إن معالجة هذه الاختلالات لا يمكن أن تقتصر على دعوات أخلاقية للإصلاح، بل تحتاج إلى إطار قانوني ومؤسسي جديد.

فلبنان لا يزال ينظم تأسيس الأحزاب وعملها أساساً وفق قانون الجمعيات العثماني الصادر عام 1909، في غياب قانون خاص ومتكامل للأحزاب السياسية يحدد قواعد حوكمتها الداخلية وشفافية تمويلها وآليات مساءلتها.

والمطلوب ليس قانوناً يقيّد حرية تأسيس الأحزاب أو يخضعها لسلطة الحكومة، بل قانون يحافظ على حرية التنظيم ومبدأ العلم والخبر، ويضع في الوقت نفسه قواعد واضحة تضمن:
إجراء انتخابات حزبية دورية وحرة، وتداول المواقع القيادية ومنع احتكارها الدائم.
حماية حقوق الأعضاء في المشاركة والنقد والمساءلة والاعتراض.
الشفافية المالية والإفصاح عن مصادر التمويل ومنع تضارب المصالح.
تشجيع الانفتاح الوطني والتنوع الطائفي والمناطقي والاجتماعي.
اعتماد معايير شفافة لاختيار المرشحين للمسؤوليات العامة وإعداد الكوادر السياسية.
إخضاع احترام هذه القواعد لرقابة مستقلة وضمانات قضائية تمنع التدخل السياسي في شؤون الأحزاب.

غير أن إصلاح الأحزاب لا ينفصل عن إصلاح النظام السياسي والانتخابي والإداري الذي يعيد إنتاج الطائفية والمحاصصة والزبائنية. ولذلك ينبغي أن يكون القانون الجديد جزءاً من مشروع أشمل لبناء دولة المواطنة والمؤسسات وسيادة القانون.
خاتمة

إن بناء الدولة الديمقراطية الحديثة يبدأ، قبل الوصول إلى مجلس النواب ومجلس الوزراء، في المؤسسات التي يتعلّم فيها المواطنون ممارسة المسؤولية العامة، ويختبرون قدراتهم، ويتدرّبون على القيادة والعمل الجماعي والمحاسبة والتداول.
والأحزاب الديمقراطية هي إحدى أهم هذه المؤسسات.

لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن كثرة الأحزاب لا تعني بالضرورة وجود حياة حزبية ديمقراطية، وأن الانتخابات وحدها لا تكفي لبناء دولة المؤسسات.

فلبنان يحتاج إلى أحزاب وطنية حديثة، تتنافس على أساس الأفكار والبرامج، وتُعدّ القيادات القادرة على إدارة الشأن العام، وتضع الخبرة والكفاءة والنزاهة في مقدمة معاييرها.
فلا يمكن أن نبني دولة ديمقراطية بأحزاب لا تمارس الديمقراطية، ولا دولة مواطنة بأحزاب تستمد شرعيتها من العصبيات الطائفية، ولا دولة مؤسسات بتنظيمات تقوم على الزعامة الفردية والوراثة السياسية وشبكات المصالح.
إن إصلاح الأحزاب ليس بديلاً من إصلاح الدولة، بل أحد شروطه الأساسية. فالأحزاب التي لا تستطيع أن تكون نموذجاً للدولة التي تدعو إلى بنائها، يصعب أن تكون الأداة القادرة على تحقيق هذا البناء.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top