
بقلم جوزاف وهبه
لم يعد يُطاق حزب الله، ولم يعد مقبولاً أن تتصرّف الدولة كالنعامة، رأسها في الرمال..لا مين سمع، ولا مين شاف.الخطر يتمدّد على جميع المناطق، ويطال كلّ الناس دون استثناء، بدءً بالإقتصاد المتهاوي فوق رؤوس جميع المواطنين، مروراً بمافيات المخدّرات والأدوية المزوّرة، والتي توزّع باسم المقاومة، وباسم سلاح المقاومة (حادثة مستودع غاليري سمعان دليل على شبكة مصالح وتمويل الحزب، خاصّة مع بروز اسم محمد قاسم نجل الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم)..وصولاً إلى أطنان المتفجّرات وال سي فور التي تعبر علناً الطرقات ذهاباً وإياباً، ليؤكد ذلك نائب الأمّة (حسن فضل الله..) بكلّ صفاقة ووقاحة من خلال المطالبة باسترجاع الكميّة المصادرة عند حاجز ضهر البيدر، بحجّة أنّها لمقاتلة إسرائيل، وفي الأساس الأساس (من حيث مقرّرات الحكومة بنزع الشرعيّة عن السلاح، ومن حيث النتائج المدمّرة لاستعماله في حروب غير متكافئة، لا في الميدان ولا في عالم الإستخبارات) لم يعد لا هو ولا حزبه مكلّفاً بهذه المهمّة التي أسقطت البلد مجدّداً في قبضة الإحتلال الإسرائيلي!
لم يعد مقبولا أن يصمت رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، وأن يوزّع مكتبه الإعلامي “نصف مضمون” مكالمة وزير خارجيّة الولايات الأميركيّة المتّحدة ماركو روبيو، والتي طلب فيها هذا الأخير من رأس الدولة اللبنانيّة “عدم التفكير بإعادة المتفجّرات إلى الحزب” تحت طائلة المسؤوليّة الدوليّة، وهذا طلب يحمل في طيّاته “شكوكاً” حول استعداد الدولة اللبنانيّة للرضوخ لمطالب الحزب:أليس كذلك؟!
لم يعد مقبولاً أن يجتمع رئيس الحكومة نوّاف سلام مع أعضاء كتلة الوفاء للمقاومة في السراي، بحثاً عن تدبير الأموال والمشاريع لما دمّرته أياديهم وقراراتهم في الضاحية والجنوب، فيما أحد نوّابهم يهدّد ويتوعّد المسؤولين عن توقيف شاحنة الموت المحمّلة بالمواد نفسها التي قتلت – بدم بارد – رؤساء حكومات ونوّاباً وصحافيين وناشطين وقادة رأي عام..لقد بات سلوك الرئيس سلام نوعاً من الإنفصام:في الخطب، حرب على الحزب وإرهابه..وفي الفعل، مسايرة ومهادنة واستجابة لما يطلب ويريد!
لم يعد مقبولاً “مسايرة” الرئيس نبيه برّي في كلّ شاردة وواردة، وفي كلّ تعيين شيعيّ وغير شيعي، كما حصل في التمديد غير القانوني لرئيس الجامعة اللبنانيّة الدكتور بسّام بدران، خلافاً لفتوى مجلس شورى الدولة، وخلافاً لرأي وزيرة التربية المعنيّة ريما كرامي..وخلافاً لحجم الفساد المستشري في أروقة الجامعة، وآخرها استحداث استثنائي لمركزين إضافيين في أحد اختصاصات كلّية الطبّ، فقط لتمرير “اسم” إبنته التي لم تساعدها علاماتها في الحصول على التسجيل في اختصاص “طبّ الجلد”!
وهذا الرضوخ المتمادي لشروط الرئيس برّي (وهو في المواقف الحاسمة، ينحاز إلى ثنائيّته مع حزب الله، تحت عنوان “الحرص على وحدة الطائفة”..) قد وصل صداه إلى السفير الأميركي ميشال عيسى الذي استفزّه السؤال حول “موقف برّي من التطوّرات”، بالقول:هل هو بمفرده مَن يقرّر؟..في إشارة صريحة إلى ضرورة تحلّي كلّ من الرئيسين عون وسلام بالشجاعة الكافية لاتّخاذ القرارات الصحيحة والصائبة عندما تدعو الحاجة، ولو بخلاف توجّهات رئيس مجلس النوّاب!
لم يعد جائزاً أو مقبولاً الوقوف عند “خاطر” الثنائي الشيعي بحجّة “الطائفة الجريحة” أو ما شابه من توصيفات يكثر استعمالها لتبرير التهاون والرضوخ.الجراح تغطّي مساحة الوطن بأكمله، بما فيه أهالي الجنوب والضاحية والبقاع.النزيف يتمدّد مع كلّ “تهاون” رسمي، أكان في السياسة أو الأمن أو التعيينات ومداراة الفساد.أدوية السرطان (برعاية محمد قاسم) تطاول صحّة الشيعة وغير الشيعة، طالما هي تُفرض على المستشفيات..نقل المتفجّرات (ولو لقتال اسرائيل) بات ذريعة لكي يستكمل نتانياهو / كاتس مشروعهما الإستيطاني باتّجاه بنت جبيل وجبل الريحان وصور..إستباحة شوارع الضاحية بالسلاح الظاهر والموتوسيكلات يتسبّب في الفلتان الأمني في باقي المناطق تحت ذريعة “لا للقبول بصيف وشتاء فوق سطح واحد”.”الطائفة الجريحة” لا تُداوى بالسكوت والتطنيش، بل بالمبضع الرسمي، من القرارات غير الملتبسة في مجلس الوزراء، إلى الإلتزام الحرفي بالقوانين المرعيّة في مؤسّسة الجيش وباقي المؤسّسات الأمنيّة والقضائيّة.ما حصل مع سفيرة لبنان في أميركا ندى حماده معوّض ليس “نزوة” قاضٍ محدّد، هو نهج لا زالت تمثّله المحكمة العسكريّة العتيدة، والذي لا بدّ من وضح حدّ نهائيّ للمحكمة نفسها وللنهج المعتمد في أدائها!
هناك “وطن كامل جريح”، وعلى عون وسلام وباقي القوى اللبنانيّة أن يلعبوا دور المنقذ، رغم المخاطر والمحاذير.فالتردّد لا ينقذ أحداً.ومراعاة الحزب لا تؤخّر أو تقدّم في “ساعة القتل”.لنتذكّر على الدوام “عبرة” الرئيس الشهيد الكبير رفيق الحريري.فقد قتلوه، بدم بارد، وهو يطوف العالم دفاعاً عن حقّ المقاومة والمقاومين!
