
بقلم الياس عيسى الياس
«ما فشر برقبتهم يتعاملوا معنا بمنطق مذكرات التوقيف… انتبهوا هذا موضوع ما بيتحمل لعب، فهموها منيح حتى ما تقولوا بعدين يا ريتنا».
هكذا علّق النائب في حزب الله نواف الموسوي على مسار الملاحقات القضائية، وهو موقف يمثل التجسد الفج لـ «الاستثناء الذاتي»؛ أي رفض خضوع طرف بعينه للقضاء، واعتبار مذكرات التوقيف عدواناً يُواجه بالوعيد، لا نصوصاً قانونية تُناقش في المحاكم.
هذا التهديد العلني يكشف هشاشة النظام حين يصير القانون في لبنان مجرد وجهة نظر تُفصَّل على مقاس الظرف السياسي وموازين القوى، تماماً كما شهدنا تاريخياً في صياغة قوانين العفو العام أو في تباين الاجتهادات القانونية وفق مصالح النافذين.
والسؤال أبعد من الأشخاص: هل الحق ما يقرره القانون، أم ما تفرضه القوة؟
وعلى منحدرات ضهر البيدر، ظهر المعنى العملي لهذا الاستثناء والتلاعب بالقوانين؛ إذ اعترضت الأجهزة الأمنية عند حاجزها العسكري شاحنة محمّلة بمئات الكيلوغرامات من المتفجرات، آتية من البقاع باتجاه بيروت. وأدّت الأجهزة واجبها فأوقفت الشاحنة ومن فيها.
ثم انتقلت القضية إلى مجلس الوزراء الذي شهد نقاشاً حاداً حول طلب وزارة العدل إحالة قضيتي ضهر البيدر والشحنة الموازية في منطقة الهرمل إلى المجلس العدلي.
ورغم أن نقل هذه المواد الخطرة يتعارض أساساً مع أحكام قانون العقوبات ويمس بالأمن القومي، فقد أعلن وزير الإعلام بول مرقص بعد انتهاء الجلسة أن الحكومة قرّرت، بعد الاطلاع على التفاصيل، التشديد على ضرورة استكمال التحقيقات ومواصلة البحث في طلب الإحالة، مشيراً إلى أن المجلس العدلي ليس بالضرورة أسرع من سائر المحاكم.
وبدوره، أكد وزير العدل عادل نصار أنّ إحالة الملف لم تُرفض بل جرى تأجيل البتّ بها، مشدداً على أنّ «المتفجرات تمسّ بالأمن القومي بمجرّد أن يعترف طرف بملكيتها».
وفي قراءتنا، لم يكن ما حصل سوى خطوة استيعابية لمنع انفجار البلد، في ظل ضغط أميركي هائل يُمارَس على لبنان، ووجود إسرائيلي مستمر، وجمود مطبق في المفاوضات.
والتاريخ يعلّمنا أن الإحالة إلى المجلس العدلي تُستعمل أحياناً لتهدئة مناخ سياسي لا لإحقاق العدالة المجردة، وما محاكمة الدكتور سمير جعجع في تفجير كنيسة سيدة النجاة، يوم كان المناخ مهيّأً لاتهام «القوات اللبنانية»، إلا مثال على ذلك.
فالعلّة ليست في المجلس العدلي نفسه، بل في الانتقائية: يُفعَّل حين يناسب المناخ، ويُرجأ حين يمسّ الاستثناء.
وقد انتهت الجلسة بانسحاب وزراء «القوات اللبنانية» احتجاجاً على الإرجاء. وبقي السؤال معلقاً بلا جواب: من أرسل تلك الشاحنة، أياً كانت الجهة التي تقف خلفها؟
هنا تبرز المفارقة التي يعيشها اللبنانيون: دولة تتحرك عند الحاجز، ثم تتوقف حين يتعلق الأمر بمتابعة الخيوط إلى مصادرها.
هذا الانزلاق نحو شريعة الغاب لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ بوهم صغير يعتنقه القوي ثم يصير عقيدة؛ وهو الوهم القديم الذي خلّده دوستويفسكي في «الجريمة والعقاب».
إذ إن راسكولنيكوف لم يخرق القاعدة الأخلاقية فحسب، بل توهّم أنه ينتمي إلى صنف استثنائي من البشر، تبرّر غاياتُه خرقَ القواعد مهما كانت الوسائل. غير أن بطل الرواية انتهى إلى الاعتراف والندم.
أما في السياسة اللبنانية، فلا ينهار وهم الاستثناء من الداخل طواعية، بل تستمر الجماعة التي تظن أن سلاحها يعفيها من المساءلة في استنزاف رصيد الدولة ومقدرات المجتمع.
وحين تنفصل القوة عن القاعدة القانونية المشتركة، يصبح الحق غنيمة بيد من يملك السلاح الأقوى. وعندها يحضر باسكال: العدالة بلا قوة عجز، والقوة بلا عدالة استبداد.
وعرّف ماكس فيبر الدولة الحديثة بأنها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة المادية في إقليم معيّن. المسألة إذن ليست قوة أم حق، بل قوة بأي قانون، وفي يد من؟
ومن الناحية البنيوية، هناك تعارض بين مؤسسات الدولة والجناح العسكري لحزب الله؛ فالدولة تعتبر هذا الجناح غير قانوني، بينما يصرّ الحزب على توصيف نفسه بأنه حركة مقاومة.
وهذا النزاع متجذر في تاريخ لبنان الحديث، حيث نشأت المقاومات المتعاقبة خارج ترخيص الدولة؛ فالمقاومة الفلسطينية بدأت كذلك قبل أن تستند قسراً إلى «اتفاق القاهرة» الذي أُجبرت عليه الدولة الضعيفة، وصولاً إلى المقاومة الإسلامية التي أدت إلى حروب مدمرة وانقسام تاريخي حاد بين اللبنانيين على مفهوم مقاومة إسرائيل ومشروعيتها خارج مظلة الشرعية الوطنية.
واليوم، يتضاعف خطر هذا الانقسام مع توجه إسرائيل والإدارة الأميركية برئاسة ترامب نحو رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، تهدف إلى إنهاء كل هذه الساحات والمقاومات، مما يجعل استمرار السلاح خارج الدولة مخاطرة وجودية.
وقد يعترض أحدهم، وله وجاهته، بأن الاحتلال تكرّر والجيش محدود الإمكانات أمام آلة حرب متطورة، وأن السلاح وُلد أصلاً في فراغ عجز الدولة.
لكن الحجة تدور في حلقة مغلقة: السلاح الذي يُطرح علاجاً لضعف الدولة هو نفسه ما يُبقيها مخترقة ويُستعمل مبرراً لبقائه خارج المحاسبة.
ولم يترك اتفاق الطائف الأمر للاجتهاد، فنصّ على حل جميع الميليشيات وبسط سلطة الدولة وحدها؛ ومع ذلك بقي السلاح خارجها، فاستمر التعارض البنيوي بين الدولة ومكوناتها المسلحة.
ويبقى التهديد برفض مذكرات التوقيف أوضح دليل على أن الأزمة تتجاوز تفاصيل التحقيق إلى صراع بين منطق الدولة ومنطق الدويلة.
دولة القانون ليست ترفاً دستورياً، بل شرط العيش المشترك.
فحين يكون الحزب الأقوى فوق المساءلة، يصبح الحق امتيازاً، ولا يعود القانون ما يحمي المواطن الأعزل، بل تصبح الواسطة الحزبية ثمن صون كرامته. وإذا غابت دولة القانون، يحذرنا ابن خلدون منذ قرون من هذا المآل: «الظلم مؤذن بخراب العمران».
الخروج من هذا النفق لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى شجاعة العودة إلى العقد الاجتماعي، وحصر قرار السلاح بمؤسسات الدولة وإخضاع الجميع لسلطتها وأحكام القضاء.
أما في واقعنا اليوم، فيبقى الحق معلّقاً على سؤال لم يُجَب عنه: من أرسل تلك الشاحنة؟ وما دام السؤال معلّقاً، تبقى دولة القانون وعداً مؤجلاً.
