
بقلم الياس عيسى الياس
أرجّح أن الجواب نعم، لكنها نعم مشروطة وهشّة.
فالانتخابات النصفية الأميركية لا تصنع التسوية بنفسها، لكنها تضيّق على إدارة دونالد ترامب هامش المناورة، وتجعل الخروج من حرب عمرها ثمانية أشهر أقل كلفة سياسياً من الاستمرار فيها.
وفي المقابل، تفاوض طهران وهي تقرأ كل رسالة أميركية على أنها اعتراف بصمودها.
فما علاقة صناديق الاقتراع بكل ذلك؟ العلاقة مباشرة.
فقد جاءت نتائج ليلة الاقتراع أقسى على الجمهوريين مما توقعته معظم التقديرات.
وبحسب تقديرات شبكات أميركية كبرى، بينها «إن بي سي» و«سي بي إس»، انتزع الديمقراطيون غالبية مجلس الشيوخ، وبدوا ماضين نحو السيطرة على مجلس النواب أيضاً، ما يعني كونغرساً بغرفتيه في يد المعارضة.
ولم يقتصر التحول على الولايات المتأرجحة، إذ فاز جيمس تاليركو بمقعد تكساس، وعاد شيرود براون عن أوهايو، وفاز روي كوبر في كارولاينا الشمالية، وهي ولايات صوّتت لترامب في الرئاسيات الأخيرة.
وفي ميشيغان أعلنت «ديسيجن ديسك إتش كيو» فوز الديمقراطي عبدول السيد، وهو أميركي من أصل مصري وُلد في الولاية، على الجمهوري مايك روجرز الذي دعمه ترامب.
وقد ركّز السيد حملته على كلفة المعيشة والرعاية الصحية وإبعاد المال عن السياسة، وبحسب التغطيات يصبح أول مسلم أميركي يدخل مجلس الشيوخ.
وهنا يجدر الانتباه إلى أن الأميركيين لم يصوّتوا تعاطفاً مع النظام الإيراني، بل عاقبوا على الأسعار.
فقد أظهر استطلاع لـ«رويترز/إبسوس» في الأسابيع الأخيرة أن الجمهوريين المنتقدين لإدارة ترامب غلاء المعيشة صاروا أكثر من المؤيدين، فيما رأى واحد فقط من كل أربعة أميركيين، في استطلاع للمؤسسة نفسها في حزيران، أن الحرب تستحق كلفتها.
فالحرب وأسعار الوقود والهمّ الداخلي خيط واحد.
وهكذا تعمل الديمقراطيات: شعب يحاسب على ما يصل إلى مائدته وجيبه، لا على ما يصيب خصومه.
وفي ذلك درس لمنطقتنا، حيث ما زالت جماعات كثيرة تعيد انتخاب الزعيم نفسه والحزب نفسه إلى أبد الآبدين، ثم تغرق أكثر فأكثر.
على أن الصناديق لا تغيّر موازين القوة فوراً.
فالكونغرس الجديد لن يتسلّم مهامه قبل كانون الثاني، وحتى ذلك الحين يبقى بيد ترامب، بصفته قائداً أعلى للقوات المسلحة، هامش واسع للمناورة سلماً أو حرباً.
وكان الرئيس قال إن الحرب ستنتهي بعد الانتخابات مباشرة، وتحدثت تقارير عن احتمال استئناف الضربات بعدها.
وهذه هي النافذة الحقيقية: الأسابيع الفاصلة بين الاقتراع وكانون الثاني هي لحظة الاختيار بين تسوية يسوّقها الرئيس إنجازاً يخدم شعار «أميركا أولاً»، وتصعيد أخير قبل أن يضيق الهامش.
فرئيس يواجه كونغرساً معارضاً سيجد تمويل حرب مفتوحة وتبريرها أصعب بكثير، ولذلك يحتاج إلى اتفاق لا إلى حرب استنزاف بلا نهاية.
وفي هذا المناخ تكثّفت الحركة الدبلوماسية بين الدوحة ومسقط وعواصم أخرى، تزامناً مع رسالة وجّهها نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي بوساطة قطرية.
اقترحت الرسالة مفاوضات مباشرة ومحدودة بسقف زمني ضيق، وقال رضائي إن النبرة الأميركية تغيّرت كلياً، من دون أن يردّ على الرسالة.
بيد أن الطرفين يختلفان حول ترتيب الأولويات: فواشنطن تضع إعادة فتح هرمز وملف اليورانيوم في الصدارة، وطهران تشترط تلبية مطالبها أولاً، وتطلب ضمانات بعدم تكرار الهجوم عليها أثناء التفاوض.
وقبيل الاقتراع سار المساران متوازيين.
فعلى الطاولة، تحدّث فانس عن تقدّم يمكن البناء عليه، وأكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن مشاورات مكثفة تجري عبر وسطاء من قطر وباكستان.
وعلى الأرض، نفّذت واشنطن ضربات وصفتها بالدفاعية على أهداف إيرانية قرب المضيق، بينما أعلنت طهران استعدادها لإعادة فتحه خلال يومين إذا قُبلت شروطها، وجعلت البحث النووي مرحلة لاحقة.
هكذا يجتمع التصعيد المحدود والتفاوض الجاد في مشهد واحد.
ولا يخفي هذا الحراك أن الطرفين عالقان عند حدود الضغط الأقصى.
ويرى الباحثان أليسون ماينور ونيت سوانسون، في دراستهما في «فورين أفيرز» بعنوان «فقط الخليج يمكنه إنهاء حرب إيران»، أن هذا الوضع يغذّي أوهام النصر، فيما تدفع دول الإقليم وحدها أثماناً باهظة في أمنها واقتصاداتها.
ومن هنا تبرز الوساطة الإقليمية مخرجاً واقعياً يحفظ ماء الوجه، يقوم على مقايضة التهدئة في الممرات المائية بحوافز اقتصادية واستثمارية لإيران.
وقد دخلت باكستان على خط الوساطة، وتستعد الصين لإيفاد مبعوث خاص إلى المنطقة، ما يعني أن أي تسوية لن تكون خليجية صرفة.
وتجمع الوسطاء رغبة مشتركة في تفادي كارثة اقتصادية عالمية قد تُخرج أسواق الطاقة عن السيطرة، وقد تجاوبت الأسواق سريعاً مع بوادر التفاؤل بتراجع أسعار النفط.
أما إيران فتحاول تخفيف وطأة العقوبات والقيود على ممراتها البحرية بتنويع منافذها البرية، فأطلقت أول قطار حاويات تصديري باتجاه الصين، وسيّرت شحنات سككية نحو تركيا.
غير أن هذه المسارات محدودة الاستيعاب مقارنة بالنقل البحري، ولا تعوّض شريان الطاقة الذي يمرّ عبر هرمز.
ولأنها كذلك، تدرك طهران أن تنويع المنافذ يرفع سقف تفاوضها ولا يغنيها عنه.
وينعكس هذا المخاض بكامل وزنه على لبنان، وهو الأقرب إلى قارئ هذه الصفحة.
فتسوية إقليمية ناجحة تعني تبريداً تدريجياً للجبهة الجنوبية وتخفيفاً للضغط العسكري والاقتصادي، وربما فتحاً لنقاش هادئ حول ملف السلاح وحصرية قرار الحرب والسلم.
أما فشل المفاوضات واستئناف العمليات فيعني مزيداً من التأزم الداخلي، واستمرار ربط الساحة اللبنانية بنزاع لا تملك قراره.
ومن هنا، لا يجوز للقوى اللبنانية أن تراقب المشهد بانتظار تسويات الخارج.
المطلوب أن تستثمر الدولة أي لحظة خفض تصعيد لتثبيت حصرية قرار الحرب والسلم بيدها، وأن تطرح ملف السلاح على طاولة حوار وطني بجدول زمني واضح، وأن تعزّز حضور الجيش في الجنوب، قبل أن تُرسم حدود الدور اللبناني في غرف لا مقعد لبيروت فيها.
ولا يعني ذلك أن الطريق إلى التسوية سالكة.
فالشروط المتبادلة والضمانات المطلوبة وانعدام الثقة ألغام تنتظر أول اختبار.
لكن تجربة الأشهر الثمانية تكشف أن الرقص على حافة الحرب لا يحقق أهدافاً حاسمة لأي طرف، وأنه يستنزف الجميع ببطء.
لقد فتحت صناديق أميركا الباب قليلاً، والمطلوب ألا يُغلق قبل كانون الثاني.
فإما أن تُستعاد لغة العقل في هذه الأسابيع القليلة، وإما أن تستنزف هذه الحرب ما تبقى من مقومات الاستقرار في المشرق العربي.
