عام من “ديموقراطيا نيوز” .. ما معنى أن تكون صحافيًا ؟

بقلم خالد صالح

يُقال أن رجلًا فقير الحال يرعى أمّه وزوجته وأبناءه وكان مخلصًا في عمله حتى حدود الدهشة ويقوم به على أكمل وجه، وذات يوم تغيّب الرجل عن عمله، فقال ربّ العمل في نفسه، لا بدّ أن أعطيه زيادةً على راتبه كي لا يتغيّب مرة أخرى لأن تغيّبه قد يكون بسبب راتبه القليل ويطمع في هذه الزيادة، وبالفعل أعطاه الزيادة، لكن الرجل لم يسأل عنها ولم يستفسر.
وحدث أن تغيّب الرجل مرة أخرى، فقام ربّ العمل بحسم الزيادة من راتب الرجل، الذي فاجأه أيضًا بأنه لم يسأل عن أسباب الحسم، فقام باستدعائه وسؤاله، غبت في المرة الأولى فاعتقدت أنها بسبب الراتب وزدتك فلم تسأل، وغبت في المرة الثانية فحسمت الزيادة أيضًا لم تسأل، هذا الأمر أثار حفيظتي فما السبب ؟، فقال الرجل، في الغياب الأول رزقنا الله بمولود فقلت في نفسي أنها “رزقة” المولود جاءت معه، وفي المرة الثانية التي تغيّبت فيها كان بسبب وفاة والدتي، فقلت بنفسي إنها “رزقة” والدتي وقد ذهبت معها .
ليس السعيد هو الذي ينال كل ما يرغب فيه، إنما السعادة الحقيقية تكمن في القناعة بما لديك، فرب فقير هو أغنى من الجميع بـ “قناعته”، وب غني هو أفقر من الجميع بـ “طمعه”، فهي القناعة يا بني البشر التي تضعنا دائمًا في خانة “الرضا” عن الذات، خصوصًا عندما تكون قناعتك بمهنتك والتزامك بها التزامًا أخلاقيًا وفكريًا وثقافيًا.

ما معنى أن تكون صحافيًا؟

إنه سؤال يكادُ أن يكونَ ذا طابع وجودي في ظلّ المتغيّرات المتلاحقة التي حوّلت العالم ليس إلى قرية صغيرة كما كان معروفًا سابقًا عن “السلطة الرابعة”، التي تحوّلت بفضل الثورة الرقمية إلى سلطة فاقت السلطات الثلاث التقليدية، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وقد قال المفكر الفرنسي “مونتسكيو” في كتابه “روح القوانين” عن نظرية فصل السلطات: “حرّيتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين، والحرية هي الحق في أن تعمل ما يبيحه القانون”.
إذن فمن هو الصحافي؟، هل هو نفسه في أي زمان وفي أي مكان؟، هل هو مجرّد موظف أو معدّ للتقارير أو وسيلة معرفة؟، هل مازالت له اليوم السلطة الرمزية نفسها رغم اختلاف وسائل التعبير الإعلامي والتقني ومنها النشر في المواقع الإلكترونية أوعبر وسائط التواصل الاجتماعي؟، وهل أيضًا هو فقط الذي يُحرّر المادة الإخبارية عن طريق توظيف خبرته ومعرفته اعتمادًا على المادة الصحفية؟، أم هل يمكن اعتبار كل من يشتغل في حقل الصحافة “صحافيًا”؟..
تظلّ الصحافة نشاطًا فكريًا إبداعيًا له خصوصيته، وله قوانينه، وله أساليبه وطرق إبداعه، فإن القيمة المركزية للصحافي ترتبط أساسًا بحقل الممارسة الإعلامية، على الرغم من التطور التكنولوجي المذهل، والتعقيد الهائل في عملية إنتاج المادة الصحافية، يظلّ مع ذلك “العنصر البشري” العامل الأكثر أهمية في العمل الإعلام، كما أن مهنة الصحافي تظل مرتبطة بحقول أخرى، حقوقية وقانونية وسياسية وأخلاقية، فإن ممارسة المهنة بقيت تعبيرًا حقيقيًا عن مدى قوة وهشاشة فضاء “الحرية” التي تعدّ الرئة التي تتنفس بها “مهنة المتاعب”، في أي بلد من البلدان، مهما كان مستوى تطوره.

عامٌ من “ديموقراطيا نيوز”

يُعد البحث عن “الحقيقة” الهدف الرئيس لأيّ صحافي، الحقيقة في أبعادها المتعدّدة والشاملة، والمنفتحة على الأسئلة العميقة، على اعتبار أنه ليست هناك حقيقة واحدة مطلقة، فالقارىء ينتظر من الصحافي أن يُحوّل وقائع المجتمع والتجارب الانسانية إلى معطيات خبرية، كما ينتظر منه نتائج البحث عن المعلومة التي تُشبع نهمه، لتشكيل الاتجاهات والمواقف بخصوص القضايا المهمة .
في “ديموقراطيا نيوز” حاولنا خلال العام المنصرم، العام الأول على ولادة هذه المنصّة أن ننتقل من الاعلام الخبري إلى الإعلام الحقيقي في رحلة بحثه عن الحقيقة، عن المصداقية، عن مساحات الحرية الكاملة البعيدة عن “التوجيه” المسبق، ولم ننظر إلى وجودنا هنا على أنها “مهنة” ونحن “موظفون” فيها، بل آمنا أننا في رحلة “نضال” لإثبات قدرتنا على اقتحام غياهب هذا العالم من زاويتنا نحن، لا من الزوايا التقليدية، التي كَثُرت حتى حدود التخمة، أردنا من “ديموقراطيا نيوز” أن تكسر التقليد، لأننا نريد أن نكون “الخبر” لا أن ننقل “الخبر” وحسب .
لا يمكن لأيّ صحفي أن يبني مسيرة صحفية ناجحة من دون شبكة علاقات واسعة تشكل مصادر أخباره، وتيسّر عمله، ويفهم من خلالها التوازنات إن كان ذلك في مستوى وطنه أو على المستويين الإقليمي والدولي، ويعمل على نسج شبكة علاقات تمهّد له أرضية صلبة للعمل، فالنجاح يعود جزء منه إلى الحرص والمثابرة والإصرار، حرصه ومثابرته وإصراره، إضافة إلى احترام أصول المهنة الصحفية وقواعدها، لاسيما في ظل المتغيّرات التي طاولت المهنة وتحديدًا مزاحمة منصات التواصل الاجتماعي التي قايضت المعايير المهنية بالسرعة والإثارة والتضليل والبحث الدائم عن نسب الإعجاب .
ما معنى أن تكون صحافيًا في “ديموقراطيا نيوز”؟، سؤال يدفعنا إلى التأكيد أن مصير المهنة التي حلمنا بها أصبحت فعليًا بين أيدينا، عدنا كي نكون جزءًا من مواثيقها، ونناضل من أجل بقائها “حرة” ودائمًا “فوق مقصّ الرقيب”، خصوصًا ونحن نشاهد المعايير الصحفية تنهار تدريجيًا، لأنه مع استبداد “السوشيل ميديا” صار لزامًا علينا الحديث دومًا عن “ما بعد الحقيقة” و “ما بعد الصحافة التقليدية”، لأننا بالفعل دخلنا مرحلة جديدة فيها من الدقة والصرامة بالاتجاه نحو الانتصار للخير والحقيقة، في مواجهة تعميم الجهل في هذا الفضاء المفتوح أمام كل القضايا، ليس من باب المهنة فحسب بل من باب “القناعة” التامة برسالتنا التي نحاول تأديتها كما ينبغي ..
عامٌ من “ديموقراطيا نيوز” .. والحُلم مستمر !!..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top