
بقلم جوزاف وهبه
لم يتوقّع أحد أن يبادر نائب سنّي إلى الإعلان الصريح عن الدعوة إلى التطبيع مع العدوّ الإسرائيلي، كما لم يتوقّع أحد أن يكون الداعي الأوّل من محافظة عكّار، وبالذات أن يكون الحاج وليد البعريني!
لا شكّ أنّ “ردّات الفعل” المباشرة ستحمل الكثير من أفعال الإستنكار والإستهجان، وصولاً إلى “التخوين”، وهو ما درجت عليه المواقف العروبيّة التقليديّة منذ نكبة العام 1948، وما بعد نكسة 1967، وعلى مدى الحروب العبثيّة الخاسرة سلفاً التي خاضتها مؤخّراً قوى الممانعة تحت ظلال الثورة الإسلامية (المباركة) في إيران، وبتوجيه من المرشد الأعلى الخامنئي (قدّس الله سرّه)، بدءً بطوفان الأقصى الذي قضى على كيان غزّة بشراً وحجراً، مروراً بحرب المساندة التي أنهت أسطورة “توازن قوى 100 ألف مقاتل و200 ألف صاروخ” لدى حزب الله والمقاومة الإسلاميّة، وصولاً إلى السقوط المدوي لتسلّط 50 سنة من حكم الأسد في سوريا، بانتظار النهاية غير السعيدة في اليمن السعيد بعد انكفاء شبه طوعي لحشد العراق، وختاماً مع طهران نفسها!
ولكنّ لغة التخوين (بعض البيانات والخُطب، أو مقاطعة خبز فرن أو استحضار الأحزاب والقوى الوطنيّة) لن تغيّر شيئاً في ما نطق به النائب البعريني، حتّى ولو استدعت الضغوط الممكنة إلى القول بأنّ الإعلام قد حرّف ما جاء في كلامه، كما درجت العادة.ففي كلامه الكثير من الواقعية، ولو رأى فيها البعض سابقة فظّة غير مألوفة، ينأى عن الجهر بها عتاة خصوم حزب الله أمثال القوّات اللبنانية وحزب الكتائب والبطريرك الراعي وغيرهم..فالبعريني بكلمات مختصرة تتراوح بين “إذا” و”الموقف السعودي” قد لامس السقف الذي بتنا نستظلّ به جميعنا، والذي ندرك أنّنا واصلون إليه آجلاً أو عاجلاً، لأنّ ما دون ذلك لم يعد مقبولاً في ظل ميزان القوى الجديد الذي بدأه رئيس الحكومة الإسرائيلي نتانياهو..ويكمله الرئيس الأميركي ترامب متسلّحاً بأقوى ترسانة عسكريّة – إقتصاديّة في العالم.
النائب البعريني قال الأمور كما هي، من دون “ماكياج” هدنة 1949 (الجنبلاطية)، والتباسات قرار 1701 اللبناني الرسمي، وحزلقات الرئيس نبيه برّي حول تفسيرات إتّفاق وقف إطلاق النار الأخير، ومحاولات حزب الله على اللعب ما بين شمال وجنوب الليطاني.قالها كما يلي، وربّما هو على تماس مع ما يجب أن يُقال:
-نعم للتطبيع “إذا” كان يحمينا من الإعتداءات:ألسنا جميعاً مفتّشين عن هذه الحماية، بشكل أو بآخر؟
نعم للتطبيع “إذا” كان يسترجع أرضنا ويضمن عدم احتلالها:أليس من أجل ذلك قامت المقاومات وشُرّع السلاح واستشهد آلاف الشباب ودُمّرت البيوت والبنايات في الجنوب وضاحية بيروت؟
-نعم للتطبيع “إذا” كان يمنح لبنان سلاماً وازدهاراً نفتقده منذ سنوات:أليس هذا ما يقوله المانحون من العرب والأميركيين والغرب، وما جاءت تبلّغنا إيّاه – بكامل دلالها وقسوتها – المبعوثة الأميركية الجميلة مورغان أورتاغوس أنّه “لا مال ولا مساعدات ولا إعمار دون السلام النهائي مع إسرائيل، ودون تسليم كامل سلاح حزب الله شمال وجنوب وشرق وغرب الليطاني وباقي الأنهر والوديان والهضاب اللبنانية”؟
ولعلّ أبرز ما قاله البعريني في تصريحه المثير، تبقى الفقرة الختاميّة منه، حيث جاء فيها:”نعم للتطبيع، ولا لمعاندة المسارات العربية وعلى رأسها المسار الذي تقوده السعودية..”، والسؤال:هل مَن يجرؤ أحد على مخالفة المسار السعودي فوق الساحة اللبنانية؟
قد يكون البعريني خرج على المألوف، لكنّه قال بلغته العكّارية الصافية ما يردّده الجميع بألفاظ مواربة أو ملطّفة أو دبلوماسية.كلّ الدروب تقود إلى الطاحون، هكذا قال المثل..وهكذا تقول جميع الإتصالات الدائرة، أيّاً كانت التسميات المستعملة. لا حروب بعد اليوم مع إسرائيل..وإلّا لا إعمار ولا مَن يعمّرون!
