
بقلم جوزاف وهبة
في افتتاحيتها المعهودة، وفي سياق الحملة الشعواء على رئيس الحكومة نوّاف سلام، تساءلت جريدة “الأخبار” الناطقة باسم حزب الله:ماذا يفعل “نوّاف”؟ وكان الأجدى بها أن تسأل، ولو لمرّة واحدة :ماذا يفعل “نعيم”.والمقصود هو الأمين العام للحزب الذي أطلّ في آخر خطبة له ليكرّر الثلاثيّة الخشبيّة “شعب وجيش ومقاومة”، كأنّ شيئاً لم يكن وكأنّ الخراب لم يحلّ في الجنوب والضاحية والبقاع، وكأنّ “طريق القدس” لم تقفل للمئة عام القادمة بفعل التفوّق العسكري – الأمني – الإستخباراتي الإسرائيلي الإستراتيجي، والذي أودى بجميع قيادات الصفّ الأوّل والثاني وربّما الثالث من المقاومة الإسلامية، وفي طليعتهم الأمين العام التاريخي حسن نصرالله وخليفتيه المحتملين الشيخ نعيم قاووق والسيّد هاشم صفيّ الدين، وكأنّ اتّفاقاً أقرب إلى الإستسلام لم يُوقّع بحبر رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، وبموافقة من الحزب، برعاية مباشرة ومطلقة من الشيطان الأميركي الأكبر!
وبالعودة إلى سؤال ابراهيم الأمين (ماذا يفعل نوّاف؟) الذي اعتاد على اعتبار افتتاحيّاته “طلقة تحذيريّة” طالما سبقت طلقات كاتم الصوت، فالجواب بسيط وسهل:إنّ الرئيس سلام في قوله الحازم “لا سلاح خارج الدولة، وعصر التسلّط الإيراني قد انتهى إلى غير رجعة” إنّما هو يثبّت المثبّت، ويعكس توازنات المرحلة الراهنة، ويحاول أن يؤكّد للعالم العربي كما للعالم الغربي أنّ الدولة اللبنانية لن تعود إلى الوراء في تنفيذ ما جرى الإتفاق حوله في القرار 1701، وفي زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس إلى لبنان، إن لجهّة جمع السلاح اللبناني الخارج على الشرعيّة، وإن لجهة ضبط السلاح الفلسطيني داخل وخارج المخيّمات.كما يحاول سلام، من خلال كلماته التاريخية، أن يفتح الأبواب المغلقة أمام المال الخليجي الذي من دونه لا إعمار لما تهدّم، ولا قيامة للإقتصاد اللبناني من إنهياره، ولا استعادة للعافية الماليّة!
أمّا الجواب على ما يفعله الشيخ نعيم قاسم فهو أنّ كلامه، الذي لن يغيّر قيد أنملة في الواقع الجديد، إنّما يُسهم في عرقلة مساعي الدولة، ليس إلّا، من أجل الإعمار الذي تحتاجه القرى والبلدات المدمّرة، كما يعطي إسرائيل الحجّة (ومن السهل القول أنّها لا تحتاج حجّة) للإستمرار في اعتداءاتها اليوميّة على لبنان (كلّ يوم تقتل عناصر من الحزب، وكلّ يوم تقصف مخزن أسلحة) دون أن تتمكّن (أو تجرؤ) المقاومة على الردّ، ما ينمّ عن عجز عسكري موضوعي تحاول قيادة الحزب أن تسوّقه كصبر استراتيجي، أو كالتزام بقرارات الدولة اللبنانية..أمّا الحقيقة التي يحاول الحزب توريتها فهي في مكان آخر.إنّه يريد من هذه الممانعة المكلفة على لبنان وعلى بيئته الحاضنة أمرين متلازمين:
-الأوّل، ربط الوضع اللبناني بمصير المفاوضات الإيرانية – الأميركية، مقدّماً مصلحة طهران على مصالح اللبنانيين عموماً والشيعة خصوصاً.فهو، رغم تهاوي وحدة الساحات التي دفع ثمنها غالياً وجرى تدفيع كلّ البلد معه ومع شعاراته الهشّة وولاءاته الخارجية، لا يزال يصرّ على الولاء للخامنئي أوّلاً، مهما كبرت فاتورة الدم المراق، في نوع من الكربلائيّة المجّانية تتجسّد في عبارات “الإرتقاء والشهيد السعيد والجنّة الموعودة”!
-الثاني، الإستعداد للإستحقاق النيابي القادم في أيّار 2026.وهو يريد أن يخرج بنتائج مشابهة لنتائج الإستحقاق البلدي الإختياري، أي حصر التمثيل النيابي بالثنائي الشيعي، ما يجعله يفاوض من موقع الممثل الوحيد للطائفة الشيعية، ومن موقع أنّه لم يخسر الحرب بالإستناد إلى استمرار احتضان بيئته لسياساته وحروبه وشعاراته ونوّابه.وحتى يطمئنّ الحزب إلى ضمان إمساكه ببيئته، فهو يجد أنّ السبيل الوحيد لذلك يبقى عدم دخول الدولة إلى تلك الحاضنة من خلال الإعمار الموعود.صحيح أنّه يطالب الدولة بالإسراع في إعمار ما تهدّم، ولكنّه يدرك في الوقت نفسه إنّ أيّ إعمار (من خارج نفوذه، ومن خارج المال الإيراني المفترض، ومن خارج مؤسسة جهاد البناء، ومن خارج صناديق القرض الحسن) يعني تحرّر البيئة الحاضنة من سطوته المالية الراهنة، والتحاق أطرافها بالدولة المركزية، وهذا ما لا يريده لأنّه يؤثر حكماً في نتائج صناديق الإقتراع النيابي.من مصلحة الحزب، أقلّه للسنة القادمة، أن يبقى الطرف الوحيد الذي يغذّي، ولو بالتقتير، بيئته الحاضنة بالمال، ما يسمح له بالتحكّم باللعبة الإنتخابية، كما فعل تماماً في استحقاق أيار الماضي.
الحزب سيضطرّ عاجلاً أو آجلاً للرضوخ لشروط الدولة (تسليم السلاح..) لأنّه يدرك أنّه لا مال عربي ولا إعمار لمناطقه المهدّمة قبل التسليم الكامل، لكنّه يحاول كسب الوقت علّه يصل إلى الإستحقاق النيابي بأقلّ خسائر ممكنة كي يتمكّن من الفوز الكاسح بكامل المقاعد الشيعية، دون خرق يُذكر.
إنّه سباق مع الوقت، مع الضغوط الدولية، مع حاجات بيئته واللبنانيين إلى الإستثمارات والأموال المؤجلة.إنّه، وهنا الخطر الأكبر، سباق مع إسرائيل التي ترى في تلكّؤ الحزب في تسليم سلاحه للدولة اللبنانية الفرصة الذهبية الثانية (الأولى كانت في معاندة الحزب على الإستمرار في حرب إسناد غزّة) للقضاء التامّ على ما تبقّى من بنى عسكرية ومن قيادات قديمة – جديدة!
