القضاء اللبناني .. بناء الوطن يبدأ باستقلاليته

بقلم خالد صالح

خلال الحرب العالميّة الثانية، وبينما كان النازيون يُمطرون “لندن” بآلاف القنابل وعاثوا فيها تدميرًا وتهجيرًا تاركينها مدينة للأشباح، وجّه ونستون تشرشل رئيس الوزراء في بريطانيا سؤالًا إلى وزير العدل في حكومته: “هل القضاء ما زال بخير؟”، وحين أتاه الردّ بالإيجاب قال تشرشل لحكومته مجتمعةً: “لا تقلقوا على بريطانيا فهي ما زالت بخير”.

كذلك الجنرال ديغول المتمرّد الذي قاد المقاومة الفرنسيّة من بريطانيا لتحرير بلده فرنسا، وبعدما دخلها محرِّرًا من غزوة النازيّين في الحقبة نفسها، سأل صديقه أندريه مارلو: “كيف حال القضاء؟”، فأجابه: “إنّه ما زال ببعض الخير”، فردّ الجنرال ديغول: “إذن، نستطيع أن نبني فرنسا من جديد”.

سمنة وزيت
لطالما تغنّى لبنان بالسلطة القضائية فيه، التي تُعتبر من أركان ديموقراطيته وتفرّده، وظلّت هذه السلطة على كينونتها إلى أن وقعت رهينة السياسة والسياسيين، فصادروا استقلاليتها وتحكّموا في مفاصلها، ورويدًا رويدًا تحوّلت من “درع” يفصل بين الحق والباطل إلى أداة في أيدي أصحاب القرار والتقرير .

دخلت السلطة القضائية على مرّ العقود الماضية في مرحلة التجاذب الحاد، ولم تخرج مسألة استقلاليتها من الزواريب السياسية، بل وفي أوقات معينة صار القضاء مغيّبًا عن الفعل وراضخًا لـ “رد الفعل”، فتعددت جوانبه ولم تتبدل إحداثياته ووقع أسيرًا بين أن يظهر كسلطة قائمة بحدّ ذاتها وبين أن يظهر كـ “ملحق” لأصحاب الشأن والممسكين بناصية البلاد بالطول والعرض .

غيّب القضاء نفسه نتيجة تخلّيه عن دوره الريادي في تحصين الواقع اللبناني، وتاهت العناوين الرئيسية بين محاكم الاستئناف والتمييز والعسكرية، وخضع لسلطات الامر الواقع المهيمنة على تركيبته، فلا وزارة العدل لعبت دور الفيصل، ولا مجلس القضاء الأعلى فرض هيبته وأصر على مهماته بعيدًا عن المؤثرات القادمة من هنا وهناك، فصار القضاء “غب الطلب” أو بالأحرى قضاء بسمنة وقضاء بزيت ..

الفرصة تتجدد
اليوم يقف القضاء اللبناني على مفترق طرق دقيق جدًا، وتلوح في أفقه فرصة ذهبية لاستعادة أمجاده والمساهمة بشكل كبير في بناء الدولة، خصوصًا مع العهد الجديد رئيسًا وحكومة، وما تضمنه خطاب القسم والبيان الوزاري من إصرار على استقلالية القضاء بشكل تام، والدفع نحو سلطة قضائية فاعلة تنطلق منها عملية المحاسبة الحقيقية من دون مؤثرات سياسية، في الطريق نحو ضرب دولة الفساد العميقة المتغلغلة في مفاصل الدولة الرسمية .
لا قيامة لهذا الوطن، ولن نكون بخير، إن لم تنأى السلطة القضائية بنفسها عن مهاترات السياسة وزواريبها، فالسلطة الإجرائية لها مهامها، كذلك السلطة التشريعية له دورها ومهامها، فلتستعد السلطة القضائية مكانتها ولتعبر بهذا الوطن من “حارة كل مين إيدو إلو” إلى دولة يسود فيها القانون والنظام، وعلينا أن نغتنم الفرصة التي تتجدد لبناء دولة المؤسسات والقانون .

إننا نتحدث هنا عن السلطة القضائية التي وظيفته إيقاف الفساد في لبنان، إننا نتحدث عن سلطة قضائية دورها إحقاق الحق والعدل، حيث شعارها “العدل أساس الملك” وعن أي ملك نتكلم، هنا المواطن اللبناني لا يعلم، فرصة لبنان اليوم حاصلة، عليها أن تستغل ذلك لإصلاح المسار القضائي، وفصل السلطة القضائية عن السياسة كما مطلب فصل الدين عن الدولة، لأنهما مساران يتماشان بشكل متوازي بالأهمية.

إن استقلالية القضاء مكرسة سندا لمبدأ فصل السلطات الوارد في مقدمة الدستور والمادة 20 منه وفي مواثيق الأمم المتحدة، ولا يتحقق على أرض الواقع من دون ضمانات قانونية ومن دون ترسيخ ثقافة تتقبل استقلال القضاء وإرساء الممارسات المنسجمة معها.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top