لبنان النهائي… في مواجهة العقلية المؤقتة

رغم مرور عقود على إقرار اتفاق الطائف ودستور 1990، لا يزال الخطاب السياسي اللبناني يعكس غيابًا عميقًا في الثقافة الدستورية والنضج السياسي. في مؤسسات الدولة، من الندوات إلى اللقاءات الرسمية، يظهر خلل في فهم عبارة أساسية في مقدّمة الدستور: “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”. هذه العبارة ليست فقط جملة إنشائية، بل تتويج لتجربة تاريخية من الحروب والتدخلات والصراعات الطائفية، أكدت أن لا بديل عن العيش المشترك تحت سقف دولة واحدة.

لكن هل بلغ اللبنانيون سن الرشد الدستوري؟ يشير الواقع إلى العكس. لا تزال هناك دعوات إلى “تعديل النظام” و”تفسير الدستور”، وكأن الدستور مادة قابلة للعبث أو التأويل الفئوي. في حين أن الدستور اللبناني يُعدّ، وفق معايير المقارنة العالمية، من أكثر الدساتير تطورًا في إدارة التعددية الثقافية والدينية، على غرار نماذج في سويسرا وأيرلندا الجنوبية وجنوب أفريقيا.

ما يحتاجه لبنان ليس تعديل الدستور، بل إصلاح في العقل السياسي، والتأسيس لثقافة دستورية وطنية تُعلي من شأن الدستور كمرجعية نهائية، لا كوثيقة خاضعة للمزاج السياسي والطائفي.

لبّ المشكلة يكمن في تغييب “الكتاب” — أي الدستور — عن الحياة السياسية اليومية. انتخاب رئيس الجمهورية، وتشكيل حكومة، وإدارة المؤسسات، يجب أن ينطلق من روحية الدستور لا من أعراف محلية مبتدَعة أو حصص طائفية مستجدة. يجب على كل مسؤول أن يُخضع نفسه لاختبار في فهم الدستور، لا أن يدعو لتفسيره كلّما تعارض مع مصالحه.

لبنان بحاجة إلى العودة إلى “سموّ الدستور”، إلى إدراك أن احترام الدستور هو أساس الدولة، وهو الضامن الوحيد للاستقرار وبناء الثقة. إن لم يحصل هذا التحول في الثقافة، فسيظل لبنان في حلقة مفرغة من الأزمات، بينما تسبقنا شعوب أخرى نحو الاستقرار والحداثة الدستورية.

المصدر : انطوان مسره- نداء الوطن

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top