
بقلم جوزاف وهبه
ينتظر حزب الله، مدعّماً بملائكة نعيم قاسم وسرديّات نوّابه ورجالاته حول استعادة التعافي العسكري وسلاحنا كرامتنا والمآثر الدينيّة غير المثبتة في التاريخ، ينتظر أن تُرخي طهران قبضتها عمّن تبقّى من محور الممانعة في لبنان والعراق واليمن، فيجد كلّ طرف طريقه، بعد أن سُدّت جميع السبل، وسقطت كلّ نظريّات قاسم سليماني، من “وحدة الساحات” إلى الإنتصارات الإلهيّة والكيان الأوهى من خيوط العنكبوت، وعدم تجرّؤ “الشيطان الأكبر” (وإسرائيل) على التعرّض المباشر لعظمة النظام الإيراني والحاجة إلى دوره، الذي لا يُردّ ولا يُستبدل، في المنطقة..
ينتظر حزب الله، والثمن غالٍ في المال والبشر والبيئة الحاضنة، المغلوب على أمرها حتّى إشعار آخر.
كلّ صباح (أو ليل) يسقط عناصر وكوادر المقاومة الإسلاميّة، ومن أبرزهم خمسة من قوّات الرضوان في الغارات الأخيرة على البقاع، دون أن تمتلك هذه المقاومة القدرة على الردّ، مكتفيةً بشعارات لا تمنع الموت الأكيد.يسقطون (شباباً) كالعصافير في مواسم ممنوع الصيد خلالها، أي بلا شفيع ولا إنذار ولا حسيب.
في المال، يضيق الحصار على المصادر الخارجيّة، أكانت عبر الحقائب الدبلوماسيّة وغير الدبلوماسيّة (8 ملايين دولار صودرت الأسبوع الماضي)، أو كانت من خلال “القرض الحسن” حيث أصدر حاكم مصرف لبنان المركزي كريم سعيد قراراًحاسماً يحظّر فيه على جميع المصارف والشركات الماليّة من أيّ تعامل مباشر أو غير مباشر مع مؤسّساته، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونيّة.
والبيئة الحاضنة لم تعد في أفضل حال بعد أن سُدّت أرزاقها (غير الشرعيّة أساساً) من خلال المراقبة الدقيقة لحركتي مطار ومرفأ بيروت، ومن خلال الضبط النسبي للحدود اللبنانيّة – السوريّة.عدا عن تعثّر عمليّات البناء والإعمار التي يربطها المانحون بحصريّة السلاح بيد الدولة، هذه الحصريّة التي يعجز الحزب عن تنفيذها (ولو أرادت ذلك قياداته أو بعضها) ربطاً بمصالح المرشد الأعلى الذي، بدوره، ينتظر بارقة تفاهم أو تساهل من الثنائي البيت الأبيض/نتانياهو!
حزب الله لا ينتظر.حزب الله ينزف.يتألّم دونما القدرة على الصراخ (آخ..).فهو أسيرشهادة أمينه العام حسن نصرالله، وأسير أقواله المأثورة “أنا جنديّ صغير في جيش المهدي المنتظر..”!
وإذا كان الحزب كذلك (أي أسير الوهم والدم والعقيدة)، فأين الدولة اللبنانيّة من هذا الإنتظار القاتل؟
تحت عنوان (شديد الخطورة والحساسيّة دون شكّ) الخوف من “الحرب الأهليّة” تنخرط الدولة اللبنانية في لعبة الإنتظار القاتلة.وهي لأجل ذلك تحاول كسب الوقت (لعلّ وعسى..) من خلال تدوير زوايا ما يُسمّى “الورقة اللبنانية” في محاولة لم تعد خافية على أحد للتملّص (أو أقلّه) لتأخير تنفيذ الشروط الأميركية..ولكن، إلى متى ينجح هذا التذاكي اللبناني الذي يربط المسار والمصير بتمنّع حزب الله عن إعطاء الجواب الشافي والكافي عن زمان ومكان تسليم ما تبقّى من سلاحه الثقيل (صواريخ ومسيّرات)، أمّا للجيش اللبناني، وأمّا إلى “صاحبه الأصيل”/الحرس الثوري الإيراني؟
جولة “برّاك” الثالثة بدأت. وهو يقول بالفم الملآن أنّه ما عاد للتفاوض، وإنّما هو آتٍ لاستلام روزنامة تنفيذ قرار تسليم السلاح غير آبهٍ بفزّاعة “الحرب الأهلية”، وغير مبالٍ بحديث الأمين العام الشيخ نعيم قاسم “لن نسلّم سلاحنا للعدوّ الأسرائيلي” (وكأنّ أحداً يدعوه لفعل ذلك)، وإنّما المطلوب سحبه إلى مخازن الجيش اللبناني، أو أيّ جهة أخرى يرتأيها الحزب نفسه.”برّاك” عاد لا للأخد والردّ “اللبناني” الطويل والمموّه بألف حجّة وحجّة، وإنّما لوضع لبنان أمام الحقائق العارية:أو تحزم الدولة أمرها وتضع جدولة واضحة محدّدة بذلك..أو تدير أميركا (ومعها العالم..) ظهرها لنا، بما يعنيه ذلك من إستباحة “السموات والقبوات” لإسرائيل (قال برّاك أنّ أميركا لن تضغط على إسرائيل)، فيخسر الحزب رصيده، ويخسر معه كلّ البلد:فهل هذا ما يختاره لبنان؟
وهنا لا بدّ من ضرورة التفريق بين حسابات الرئيس نبيه برّي، وحسابات الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام.ربّما لبرّي ما يدفعه إلى تبنّي سياسة المماطلة والتخفّي التي يضمرها الحزب في انتظار “الإشارة الخضراء أو الحمراء” من طهران، ولكن هذا لا يفترض أن ينطبق على عون وسلام.عليهما أن يخرجا من مراعاة رئاسة المجلس الثانية، وربّما عليهما أن يسعيا لإنقاذه (وإنقاذ الطائفة الشيعية، وإنقاذ البلد) بدفعه من “خانة الإنتظار” إلى خانة الضغط على الحزب للسير معاً في الطريق الوحيد المتاح:خريطة واضحة لتسليم السلاح، تُعيد لنا أرض الجنوب المحتلّة، وتُعيد أسرانا، وتُعيد الطمأنينة المطلوبة للبشر والحجر!
“لعبة الإنتظار” تقترب من لعبة الروليت الروسيّة التي لا بدّ أن تصيب رؤؤسنا إحدى رصاصاتها، إن لم يكن من الدورة الأولى، فمن الثانية أو الثالثة، وفي أحسن الأحوال من الرابعة (إن حصلت..قبل الطوفان!).نحن أمام مفترق طرق:الجحيم..أو تسليم السلاح.لا تتردّدوا، لا تتأخّروا، لا تنتظروا..فيدهسنا القطار السريع!!
