حكومة تتخبط بقراراتها .. والشعب يتفرج !!

بقلم خالد صالح

يُروى أن مستشارًا دخل على الملك فوجدَه مستغرقًا في التفكير، فسأله عما يهمه فقال: أريد أن أفرضَ ضريبة على “السكّر” بقيمة 10% لتمويل خزائني التي تكاد تفرغ، وأفكّر كيف سيتقبّل الناس هذا القرار، قال المستشار: دع الأمر لي يا مولاي سأتصرّف كما ينبغي لتحقيق هذا .
جمع المستشار أعوانه، وطلب منهم أن يبثّوا في الأسواق إشاعاتٍ بأنّ الملك ينوي فرض ضريبة بمقدار 50% على السكّر واللحم والتمر والقمح والشعير.. فضجّ الناس، وأخذوا ينتقدون الأمر علنًا، وبدأوا يعبّرون عن سخطهم وعدم رضاهم .. وكان الأعوان ينقلون ما يحدث في الأسواق وما يقوله العامة للمستشار لحظةً بلحظة .
في الأسبوع الثاني طلبَ المستشار من أعوانه بثّ إشاعة تؤكّد الإشاعة الأولى، وأضاف عليها أن بعض المستشارين هم من أشاروا على الحاكم بهذا الأمر، وأن القرار سيصدرُ قريبًا جدًا، أخذ الناس يقلبون الأمر على كل الوجوه، ويقولون: الضريبة مرتفعة، ومن الظلم أن ندفعها على جميع هذه الأصناف، لو كانت 10 أو حتى 15%، أو لو كانت على صنف واحد لهان الأمر .
عندها ذهب المستشار إلى الحاكم وقال: مولاي، الآن أصدر الأمر بفرض الضريبة .. ودعني أعد صياغة القرار ..
كتب المستشار: تلبية لرغبات شعبنا الكريم، ونزولًا عند رأيهم، فقد قرّرنا عدم الإنصات لمستشاري السوء الذين سعوا إلى إثقال كاهل المواطنين بالضرائب الكثيرة، واكتفينا بفرض ضريبة بسيطة بمقدار 12% على مادة السكّر فقط، تنفّسَ الناس الصعداء وضجّوا بالثناء والدعاء للملك الحكيم الذي يراعي شعبه، ولا يثقل كاهلهم بالضرائب الفاحشة ..

بين الدستوري والناس

أصدر المجلس الدستوري قراره بإبطال الضريبة التي فرضتها الحكومة على المحروقات، لتمويل المساعدة الاجتماعية التي أقرتها للعسكريين في الخدمة الفعلية والمتقاعدين، بعد أكثر من شهر نتيجة الطعن الذي تقدمت به أكثر من كتلة نيابية، فرحنا كثيرًا بهذا القرار لكن تبعاته بقيت تُثقل كاهلنا على أكثر من صعيد .
عندما أقرت الزيادة على المحروقات، رافقها ارتفاع في أسعار الكثير من المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والأدوية، حتى تعرفة النقل ارتفعت بشكل كبير، وعندما صدر قرار الدستوري ببطلان هذه الزيادة، عادت أسعار المحروقات كما كانت، لكنها بقيت على حالها في بقية السلع، وكأنها (ضريبة مخفية) فُرضت على الناس الذين انشغلوا فقط بالمحروقات، غضبًا للزيادة وفرحًا بحذفها .
تناسينا الغلاء الذي طاول كل متطلبات الحياة جراء قرار الزيادة على المحروقات، ثم اعتبرنا العودة عنه إنجاز، من دون أن نعير الاهتمام لبقية الزيادات، وهللنا و “طبلنا وزمرّنا” للذين تقدموا بالطعن وتوقفوا عند إنجاز الدستوري، لتظلّ الضرائب المخفية تقض مضاجعنا من دون حسيب أو رقيب، بينما الذين تباهوا بانجاز الطعن اكتفوا به وكأن على رؤوسهم الطير .

أخذوا ولم يعطوا

عندما أقرت الزيادة على المحروقات لتمويل المساعدة الاجتماعية بدأت الحكومة والتجار فورًأ بتطبيقها على كل التفاصيل، فلم توفّر سلعة لم تتعرض للزيادة في أسعارها، وبقيت الضريبة على المحروقات سارية لأكثر من شهر ونصف، قبل أن تعود إلى سابق أرقامها مع قبول الطعن، لكن المساعدة الاجتماعية لم تدفع لمستحقيها إلا في منتصف آب وعن شهر تموز فقط، بينما لم تدفع هذا الشهر .
ويتساءل المستفيد من هذه المساعدة بالمباشر (العسكريون في الخدمة الفعلية والمتقاعدون)، أين صارت هذه المساعدة رغم أنها أقرت بقانون صدر عن المجلس النيابي، ولماذا تتباطأ الحكومة ووزارة المال بدفعها؟، فموجة الغلاء التي تسبّب بها القرار الاعتباطي لاتزال سارية حتى تاريخه، صحيح أن الحكومة تراجعت عن قرار رفع أسعار المحروقات، لكن موجة الغلاء مستمرة وندفعها من لقمة عيشنا وحبة دوائنا وأقساط المدارس وفي الكثير من قضايانا اليومية !!!
هذا التفصيل يثبت أن الحكومة تسير على قاعدة المثل الشامي (يارب تجي بـ عينو)، لم تلتفت لمفاعيل الطعن على مختلف المستويات، فتراجعت فقط عن قرار المحروقات، بينما الناس تراهم سكارى وما هم بسكارى، يتعايشون مع تبعات القرار على خطورتها المعيشية، وقبلوا بعودة أسعار المحروقات كما كانت قبل الضريبة عليها، وصار أسعار السلع والمواد طبيعية بالنسبة لهم، ورغم ذلك لم يُحركوا ساكنًا للاعتراض أو للمطالبة بالرقابة، بينما تجدهم يتهافتون وبالقمصان البيضاء لحضور حفلة “عمرو دياب” ..
هيك شعب .. بيستاهل هيك نظام حكم !! ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top