الذكرى الأولى لاستشهاد “نصرالله “.. هذا ما رأيناه!!

بقلم خالد صالح

ثمّة مشهدٌ كبير تبدّل منذ السابع والعشرين من أيلول 2024، مشهدٌ قام منذ شباط 1992 على بروز واقع قيادي مختلف لـ “حزب الله” ركيزته الأساس “السيد حسن نصرالله”، هذا التبدّل يبني التساؤل المبهم: كيف سيكون “حزب الله” من دون السيد نصرالله؟، وكيف سيكون شكل هذه المنظومة الحديدية القائمة من دون “حجر الزاوية” الذي اختصر “الحزب باسمه” بما يملكه من مميزات قيادية وكاريزماتية بارزة ؟.

طوال ثلاثة عقود ونيّف كان التلازم بين “السيد نصرالله” و”حزب الله” تلازمًا بلغ حدود التماهي، ليس فقط بصفته أمينًا عامًا للحزب، بل تعدّى هذا الأمر إلى تحوّله إلى “صبغة” تطبع كل شيء، فأن تقول “حسن نصرالله” يعني كأنك قلت “حزب الله”، وأن تتكلّم عن “حزب الله” يعني أنك تتكلّم عن “نصرالله” شخصيًا، هذا التلازم العصي والقوي والمتين، تعرّض مثل هذا اليوم قبل سنة إلى ما يُشبه “الفكرة” التي نسفت كل ما أعطته “السكرة” من قدرات وامتيازات و .. ملذّات ..
غاب “نصرالله” عن المشهد بعد عملية اغتيال نفذها العدو الإسرائيلي على مركز الأمانة العامة لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت بعشرات الأطنان من مواد متفجرة أعدت خصيصًا لهذه الغاية، وأُقفِلَ مع هذا الغياب الباب بشكل دراماتيكي على حقبة شهِدت كل ِشيء، فلا “الشيخ نعيم قاسم” حتى وإن نال لقب “الأمين العام” بوسعه أن يُلبي احتياجات الموقع، حتى وإن علا صراخه أو ارتفع إصبعه، ولا عقارب الساعة يمكنها العودة إلى الوراء، وصار لزامًا على “حزب الله” و بيئته التعايش مع الحقيقة المرّة .. “السيّد نصرالله” صار ذكرى نحييها “كل سنة مرة” حتى ولو بمشهدية “إنارة صخرة” ..
كثيرة هي المحطّات التي يُمكن تذكّرها عن السيّد نصرالله، وجميعها ترتكز على “فائض القوة” الذي أوهم الجميع به، “ولّى زمن الهزائم وجاء زمن الإنتصارات”، لنقف كلبنانيين أمام أبشع هزيمة تعرضنا لها، بشرًا وحجرًا ومقومات، “إن اليد التي ستمتدّ إلى سلاح المقاومة ستقطع” لنجد أننا أمام معادلة “حصر السلاح” بيد الدولة بعدما تهاوى شعار “نحمي ونبني”، “سنطرد أميركا وحلفائها من المنطقة” لنكتشف أن “المحور” الذي انتمى إليه يتفكك وبشكل غير متوقّع، “لو اضطر الأمر أن أذهب أنا وكل حزب الله إلى سوريا سنذهب”، لنستفيق على مشهدية سقوط “نظام الأسد” والطريق بين بيروت وطهران لم يعد موجودًا.
كانت مواقف نصرالله تنبع من تلك “الكاريزما” التي يتمتّع بها، والقدرة الكبيرة على زرع الأفكار القائمة على “منطق القوة” في أذهان مناصريه، بينما البقاء كان لـ “قوة المنطق”، لتسقط هذه الأفكار من دون أي إمكانات لاستعادة المشهد برمّته حتى ولو استمرّ خطاب “الشيخ نعيم” لأيّام وليس لساعات، فقد صارت الحقيقة ناصعة بأن “أوهن من بيت العنكبوت” صفة متلازمة لـ “حزب الله” حصرًا، بعد أن فقد “حجة الإقناع” بـ “غياب السيّد”، ولبنان الذي أدمن “طحن الأوهام” يقف أمام الحقيقة “كان صرحًا من خيالٍ فهوى” .
“الخبر هو ما ترون لا ما تسمعون”، قالها “السيّد” في آخر خطاباته بعد “غزوة البيجر”، فماذا نرى اليوم؟، “حزب الله” وقّع على وقف إطلاق النار ملتزمًا بالقرار الأممي 1701 وتعديلاته، ولامناص من تنفيذ هذا القرار ولو بعد حين، “حزب الله” يُشارك في حكومة اتخذت قرار حصر السلاح بيد الدولة وليس بوسعه الاعتراض على هذا القرار بـ “يوم مجيد” آخر، بل جُلّ ما يفعله تسجيل اعتراض في محضر جلسة مجلس الوزراء ثم الانسحاب منها وعند المساء مسيرة “دراجات” لا تتجاوز حدود الضاحية، حزب الله يحيي ذكرى استشهاده بـ “إنارة صخرة” بينما المسيّرات الإسرائيلية المجرمة تقتل خيرة شبابنا من دون أي رادع ..
ماذا نرى اليوم؟، بيئة “حزب الله” حتى اللحظة تنتظر “عودته” وهذا دليل أن “موقعه” لايزال فارغًا بالمضمون حتى بوجود “أمين عام” أصيل، والجنوب لايزال ينتظر إعادة إعماره من دون أي بوادر تلوح في الأفق لتحقيق هذا الأمر، و”التاريخ الذهبي” للحزب تمّ تشييعه في المدينة الرياضية بينما إبراز العضلات صار على “كورنيش الروشة” للصراخ بأعلى صوت “لانزال هنا”، “هذا الطريق سنكمله”، “شهيدًا على طريق القدس”، لنُدرك أن 27 أيلول 2024 كان تاريخ السقوط المدوي للشعارات التي ما عادت تُسمن أو تغني من جوع .
“حزب الله” من دون “نصرالله” يختلف كثيرًا عما كان بحضوره، حتى لبنان يختلف كثيرًا في غيابه عمًا كان بوجوده، فالمتغيّرات التي شهدتها الساحة المحلية والإقليمية تؤسس لمشهدية مغايرة عن تلك التي كانت قبل تاريخ الاغتيال، لأن تأثير “نصرالله” لم يكن مرتبطًا بدوره الحزبي والروحي والمعنوي، بل لأنه كان مضطلعًا بشكلٍ مباشر في قيادة المؤسسة الحزبية كـ “ركن صلب” من اركان الممانعة وشكّل “رأس حربة” في مشروعية “المحور” وساهم في صناعة استراتيجياته على مدار عقود، ليرسم غيابه صورة أشدّ وضوحًا لما هو آت..

ربّما ينجح “حزب الله” في إعادة هيكلة قيادته المركزية – سياسيًا وعسكريًا – بعد أن فقد غالبية رموزه العسكرية وتلاشت مواضع القوة داخله، لكنّ تأثير غياب “نصرالله” سيظل مضاعفًا لأنه يُشكل غياب الوزن الداخلي القادر على جمع شتات كل أوجه ومؤسسات الحزب، هذا التأثير الذي سيكون استراتيجيًا على عمله ومساراته المستقبلية، ولن يكون سهلًا عليه ملء هذا الفراغ على المستوى القيادي في المدى المنظور، هذا ما “نراه” في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد السيد حسن نصرالله !!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top