معراب ليست “حجر الزاوية” ..وقصرها ليس “الخورنق” !!

بقلم خالد صالح

حجرُ الزاوية !!
كثيرًا ما نسمعُ بهذه العبارة، لكن قلّة من يعرفون قصّتها، ويعرفون المغزى الفعلي منها وما آلت إليه من نتائج.
النعمان بن المنذر ملكٌ عربي اشتهر بسطوته الكبيرة في القرن الرابع الميلادي في منطقة “الحيرة” في العراق، ولسطوته الشديدة أمر ببناءِ قصر مهيب وغريب له ولا مثيلَ لجماله وفخامته، فتوافد إليه نخبة من المهندسين في ذلك العصر، فاختار منهم مهندسًا من الروم يُدعى “سنّمار”.
شيّد “سنّمار” للنعمان قصرًا عظيمًا على موقع مرتفع “تلة” يٌشرف على مملكته وأطلق عليه اسم “الخورنق”، وبعد أن فرغ من بنائه صعد مع النعمان على سطح القصر، فسأله النعمان: “هل هناك أحدٌ يستطيع أن يبني مثل قصري هذا؟، فردّ “سنّمار” بلهفة وحماس وشيئًا من الغرور: “لا، لا يا سيدي، ولعلمكم، فإن هذا القصر يرتكز على “حجر واحد”، إذا أزيل هذا الحجر انهدم القصر على رؤوس ساكنيه !!، ..
ابتسم النعمان هنا مصدومًا متسائلًا: وهل غيرُكَ يعلُم موضعَ هذا الحجر؟، فردّ “سنّمار” بثقة وغرور كبيرين: بالطبع لا يا سيدي !! .. فأمرَ النعمان حرسه بأن يلقوه من الأعلى فلاقى حتفه على الفور .. ومنذ ذلك الحين، ضربت العرب بالقصة مثلًا عمّن يصنع المعروف ويُقابل بالغدر فقالوا: هو “حجر الزاوية” قتل صاحبه، خيرًا تعمل شرّا تلقى !! ..

محاولات لم تنقطع

لاتزالُ “القوات اللبنانية” تجهدُ بكلّ طاقاتها لـ “جلب” أحد النوّاب السنّة إلى “مائدة معراب” كما وصف النائب جورج عقيص مؤخرًا في إحدى إطلالاته المتلفزة، إذ تعتقدُ أنها تُمثل الرؤيا السياسية للسنّة في لبنان وهي بمثابة “حجر الزاوية” لهذا المشروع، إذ تلعبُ على وتر “السلاح غير الشرعي” ومواجهة “حزب الله” بغية تحقيق ما تريده بجعل قصر “معراب” على هيئة “الخورنق”.
تُقدّمُ “القوات اللبنانية” نفسَها على أنّها الصّورة الجديدة للبنان المستقبل، وعلى الذين يناهضون “حزب الله” في لبنان أن يلتحقوا بركبها والسّير على خطاها، وتحديدًا “السنّة”، لذلك “كل ما دق الكوز بالجرة” تجد رئيسها “الدكتور سمير جعجع” يُمارس هوايته المفضلة باللعب على التناقضات والأمر نفسه ينسحب على غالبية المتحدثين باسمها فعاليات نيابية أو وزارية أو قيادات حزبية، وتقديم “القوات” على أنها “خشبة الخلاص” في محيط التجاذبات الداخلية المعقّدة .
تُدركُ “القوات اللبنانية” أن “صوفتها” حمراء لدى غالبية الشارع السنّي، والأسباب كثيرة ومعروفة، ولم تنجح باستمالته أو الظفر بتأييده وهي لم تترك وسيلة أو أسلوبًا إلا واتبعته بغية الوصول إلى غايتها المنشودة، لكنها حتى اللحظة لم تستطع و “لن” تستطيع من أن تخلع عنها العباءَة الطائفية التي ترتديها حتى حدود “الالتصاق” بها، ولم تستطع تقديم نفسها كـ “حالة وسطية” معتدلة، لهذا تصوّب دائمًا على “السنّة” لأنهم الوحيدون القادرون على القيام بهذا الأمر الكبير على المستوى الوطني .

أبعاد وأهداف

تقفُ “القوات اللبنانية” اليوم “قدم في البور وقدم في الفلاحة”، تمارسُ “البراغماتية” السياسية وفقًا لنظرية “الميكيافيللية” “الغاية تُبرر الوسيلة”، تسعى لمواجهة السلاح غير الشرعي “خطابيًا”، وتعمل على أن يتصدّر “السنّة” هذه المشهدية، وكأنها تملكُ زمام الأمر لدى “السنّة” في لبنان، وفي الوقت نفسه بدأت تمارس “الفوقية” بشكل فاقع فتشترط على أي شخصية سنّية تريد الترشح على لوائحها أن يجلس على “مائدة معراب”، أو في قصر “خورنق” هذا العصر، وأنها تُمثّل “حجر الزاوية” في مواجهة “حزب الله”، فإذا انهار هذا الحجر سقطت المواجهة نهائيًا .
اليوم ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي تعود “القوات اللبنانية” لتغازل الشارع السنّي بأسلوب مُكرّر لم يؤتِ أكله في الدورات السابقة، وتلعب على وتر “التفكك” الذي أصاب هذا الشارع في السنوات الثلاثة الماضية، معتقدة أن الوقت قد حان أن تستثمر في كل ما فعلته وحققته من تقدّم على مستوى الشارع المسيحي لتقابله بنجاحات مماثلة في الشارع السنّي، بالاعتماد على علاقاتها المميزة مع المملكة العربية السعودية، بشكل يوحي بأن المملكة قد أوكلت إليها هذا الأمر، وهو أمرٌ منافٍ تمامًا للواقع، فلا المملكة بهذا الوارد لأنها تتعاطى مع لبنان بصفة الشقيق لا التابع، وليست أيضًا من الذين يبحثون في تقسيم لبنان إلى شوارع متقابلة .
تسعى “معراب” إلى تصوير دورها على أنه الدور “المثالي” و “المنقذ”، لكنها تصطدم دائمًا بواقع تاريخها، البعيد والقريب، هذا التاريخ الذي حتى اللحظة ظهرت عاجزة عن الخروج من سوداويته، بالرغم من أن الشارع السني قدّم لها منذ الـ 2005 حتى الـ 2019 ما يكفي من “ألبسة بيضاء”، لكنّ “الطبع يغلب التطبع”، فقابلت المعروف بالكثير من الانقلابات، حتى انطبق عليها المثل “خيرًا تعمل شرًّا تلقى”.
اليوم أدرك “الشارع السنّي” على امتداد الوطن، أن اعتداله ووسطيته فريدان، وكما يواجه “حزب الله” و “فائض قوته” باتباع الوسائل السلمية لمواجهة مشروعه، يُدرك تمامًا أن مشروع “القوات اللبنانية” هو الوجه الآخر لمشروع الحزب وإن كان بأقمشة مغايرة، وأن الكلام “المنمّق” الذي يخرج منهم هو بمثابة “السمّ في الدسم” لا أكثر ولا أقل، فلا معراب تُمثل “حجر الزاوية” ولا قصرها هو “الخورنق” ولا ساكنه هو “النعمان بن المنذر” .

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top