
الياس عيسى الياس – ديمقراطيا نيوز
في أعماق الأساطير الإغريقية، يرتفع اسم سيزيف (Sisyphe)، ليس كملك لكورنث فحسب، بل كرمز للتمرد الوجودي الأوّل. لم يكن ملكاً عادياً، بل الماكر الذي تجرأ على الإفشاء بأسرار زيوس، وبلغ به الدهاء حدَّ تقييد إله الموت (ثاناتوس) ليصبح البشر خالدين مؤقتًا. لقد كان تحديه للموت والآلهة معاً هو الجريمة التي استحق عنها العقاب الأبدي، ولكنه كان أيضاً ميلاد الوعي الأسمى.
عندما أُرسل أخيراً إلى العالم السفلي، لم يكن عقابه مجرد تعذيب جسدي؛ بل كان تصميماً نفسياً لكسر روح أذكى البشر. حُكم عليه بدفع صخرة ضخمة إلى قمة جبل، لتتدحرج الصخرة إلى القاع مجددًا بمجرد وصوله. إن الفكرة ليست في الثقل، بل في اليقين المُرعب من الفشل؛ إنه حلقة مفرغة من الجهد لا تؤدي إلى أي نتيجة.
لكن هذه الأسطورة لم تُنسج لتكون ظلاً يونانيًا فحسب، بل لتبقى مرآة صلبة يطلّ منها وجه الإنسان المعاصر. إنها وجهك، ووجهي، ووجه كل من ينهض صباحًا ليواجه صخرته الخاصة؛ صخرة الروتين، الانتظار، أو الشقاء. لقد التقط الفيلسوف الوجودي ألبير كامو خيط هذا المعنى، ليُعلن أن عالمنا مسرح واسع، نصعد فيه جبالًا من الجهد بلا انقطاع، بينما الكون حولنا صامت صمتًا كونيًا مُطبقًا. هذا الصمت هو جوهر “العبث”.
وهنا قلب كامو فهم الأسطورة رأساً على عقب: أن المعنى الحقيقي يسكن في الجهد ذاته… في الدفع، لا في الوصول. وهكذا تحوّل سيزيف من رمز للعقاب الأبدي إلى أيقونة للوعي، والتمرد، والإرادة التي لا تهزم.
١. الوعي والتمرد: حرية تولد من قلب الجبل
لحظة الصمت السيزيفية: قبل كل صعود، يقف سيزيف متأملاً ثِقل صخرته، مدركًا يقين السقوط. هذا الإدراك ليس مصدر ألم، بل ولادة عاصفة لحرية داخلية. أن تدرك أن تحديات حياتك المتعبة، المتكررة، بلا ضمان للنهاية تشبه الصخرة، يعني أنك تحررت من وهم الكمال. التحرر الحقيقي يكمن في قلب الإحباط المسبق.
في اللحظة التي يختار فيها سيزيف أن يدفع الصخرة رغم عبثية مصيره، يتحول من عبد للقدر إلى سيد لروحه. تمرده ليس ضجيجًا، بل هدوء العارف الذي يقول: “قد لا أغيّر مصيري… لكنني أغيّر طريقتي في مواجهته.” إنه الرفض القاطع للعدمية؛ رفض الاستسلام للعبث واختيار العيش الآن، العمل الآن، الحب الآن، وصنع معنى من اللحظة المرهقة.
٢. الجمالية والالتزام: الضوء الخافت والتضامن
أجمل لحظة في حياة سيزيف ليست عند القمة، بل عند النزول. حين تتدحرج الصخرة، يلتقط سيزيف أنفاسه، يرى العالم حوله، يستشعر نعمة الطريق. هناك، تولد الجمالية العميقة: جمال الإنسان الذي يصنع من روتينه فنًا، ومن مشقاته قصيدة.
التمرد الحقيقي لا يعني الهروب من المسؤولية، بل الالتزام بالإنسانية. سيزيف لا يهرب… بل يعود إلى صخرته. وفي تلك العودة تكمن بطولة هادئة: بطولة العامل الذي يصحو رغم التعب، والفنان الذي يخلق نورًا من قصاصة لحن. الالتزام هو أن تقول للعالم: “إن لم يكن هناك معنى جاهز… فسأكون أنا من يصنعه.”
إن إدراك أن كل إنسان يحمل صخرته يخلق التضامن: لا كواجب، بل كفهم عميق أننا أبناء الجبل نفسه. هنا، يكتمل قلب فلسفة العبث لدى كامو: أن نرفض الظلم والقسوة، وأن نمدّ يد المساعدة، لأن صعودك هو جزء من صعودي، وأن الاعتراف بعذاب الآخر هو أسمى أشكال الحب الوجودي.
إثراء الالتزام الأخلاقي: إن التضامن السيزيفي، كما رآه كامو، ليس مجرد تعاطف، بل هو الخيار الأخلاقي الأسمى: رفض قتل الآخرين، والقتال معهم ضد المرض والموت العبثي. إن معنى صعودنا المشترك يكمن في حمايتنا لبعضنا البعض على سفوح هذا الجبل.
٣. لبنان… سيزيف الذي يضيء ذاكرته بوقود التمرد اليومي
ولنتأمل الآن لبنان: ليس مجرد بقعة جغرافية، بل سيزيف متجسد من لحم ودم. يصعد هذا البلد يوميًا بجبل مُركّب لا من حجر، بل من ثقل الانهيار الاقتصادي المتكرر، والفساد كفعل وجودي، وغياب الدولة ككيان حاسم. وكلما ظنّ اللبناني أنه بلغ منتصف الطريق، أو تجاوز منعطفًا، تتدحرج الصخرة بقوة تساوي قوة الخيبة الجمعية.
لكن المعجزة هنا ليست في الصخرة، بل في الإصرار الأبدي على إعادة التشكيل والنهوض. إن أخطر عقاب يواجه لبنان كما واجه سيزيف ليس السقوط، بل النسيان الوجودي. فالنسيان يعني تحول الجهد إلى روتين ميكانيكي بلا وعي، وهذا هو الاستسلام الحقيقي.
الذاكرة: صخرة الوعي التي تمنع السقوط الوجودي
إن الذاكرة اللبنانية ليست مجرد سجل بارد للآلام، بل هي أول فعل سيزيفي واعٍ وأشدّه ضراوة. سيزيف عُوقب لأنه عرف السر وتذكّر، أما لبنان فيُدرك اليوم أن النسيان هو العقاب الحقيقي والعدم المطلق.
لذا، فـ توثيق الضحايا، وتدوين أسرار الفساد، وتخليد بصمات الجمال… كل ذلك لا يصبح تاريخاً، بل وقود التمرد النقي الذي يمنع الصخرة من السقوط المدوي في بحر العدمية. هذه الذاكرة ليست عبئاً، بل قنديل الوعي المقاوم الذي يشقّ ظلمة الرتابة ويوثّق شروط التمرد لئلا يتكرر الفشل.
جمالية الظل والضوء: خصوبة وجودية لا تذبل
في هذا الوطن، تتجسد جمالية الظل والضوء بأقسى صورها وأكثرها بهاء: إنه بلد تأبى فيه الحياة أن تذبل، وترفض فيه الروح أن تنطفئ.
الضوء الكاموي ليس وعداً خارجياً يُهبط من سماء العدل الغائب، بل هو شعلة أمل صلبة تحملها الأم في قلب ظلال اليأس. إنه عناد الشاب على الدراسة في العتمة، وإصرار الفنان الذي يخلق نوراً من قصاصة لحن، وبطولة المزارع الذي يغرس الحياة في التربة رغم كل شيء. إن هذا الفعل اليومي هو الخصوبة الوجودية ذاتها؛ إنه الرفض القاطع لترك الظل يبتلع الوجود.
الاغتراب كصخرة ممتدة: التزام عابر للحدود
يتسع مفهوم الصخرة اللبنانية ليشمل صخرة الاغتراب: ملايين اللبنانيين المنتشرين حول العالم، يدفعون صخرتهم الخاصة في المنافي والمهجر. هم ليسوا هاربين؛ بل سيزيفيون مهاجرون!
يربطون قلوبهم بالوطن بخيط من حنين كـ “الخبز اليومي”، يبعثون الخبز والأمل والنور لمن بقي. في كل تحويل مالي، وفي كل زيارة خاطفة، يتجدد الالتزام السيزيفي الأبدي. إنهم يحملون وطنهم معهم كـ صخرة ثمينة لا تُنسى، ويواصلون دفعها بكل إصرار عبر الحدود والمسافات.
هذا هو جوهر النور الكاموي: الرفض القاطع والمُصرّ على ترك الظل يبتلع الوجود، والإصرار البطولي على خلق المعنى والكرامة من قلب الجهد المشترك.
النصر الحقيقي يكمن في العودة
قد نجد في عودة سيزيف إلى صخرته صدى لمفهوم العودة الأبدية لفريدريش نيتشه؛ فالبطولة ليست في تغيير المصير، بل في حبّ المصير (Amor Fati). أن يحب اللبناني واقعه المضطرب بوعي، لا يعني الاستسلام له، بل يعني القبول بالوجود كفعل متجدد من التمرد كل يوم، وهذا هو قمة التسامي الوجودي.
لا ينبغي أن نرى سيزيف سعيدًا فحسب، بل يجب أن نراه جميلًا، حرًا، وقادرًا على صنع معنى في صمت الكون.
السعادة ليست في القمة، بل في الدفع الواعي، والنزول الشاعر، والوقوف في منتصف الطريق بثبات يقول: “سأكمل مهما تكررت السقوطات.”
كل واحد منا يحمل صخرته، لكن يمكننا أن نحملها بوعي، بجمالية، وبقلب مفتوح للآخرين. هذا هو جوهر انتصارنا على العبث. هكذا نعيد بناء لبنان، وهكذا مثل سيزيف نولد من جديد كل يوم، حاملين صخرتنا بكرامة، ومضيئين الطريق بذاكرة لا تكلّ.
