
بقلم خالد صالح
يروي الكاتب المصري “أحمد خالد توفيق” في إحدى مقالاته قصّة أغرب من الخيال فيقول: “كُلف سائق سيارة إسعاف بنقل بعض المجانين من مستشفى إلى آخر، أثناء الطريق شعر السائق بالحاجة إلى شرب كوب من الشاي ، توقف في مقهى ونزل لتعديل مزاجه، وعندما عاد للسيارة لم يجد مجنونًا واحدًا، وهذا يعني أن المجانين يجيدون فتح أبواب السيارات على الرغم من كل شيء..
يضيف: “لم يعرف ما يفعل ولا كيف يسدد الدفاتر في المستشفى، فخطرت له فكرة عبقرية هي أن يتوجه إلى أحد المواقف وينادي على الركاب عارضًا توصيلهم، وكانت ساعة زحام والمواصلات شحيحة، فجاء الركاب وركبوا في السيارة، وقد افترضوا أنه سائق سيارة إسعاف يحاول التحايل على الحكومة للظفر ببعض المال، انطلق السائق إلى مستشفى الأمراض العقلية فأفرغ حمولته وحصل على إيصال التسليم، وما يثبت أنه سلم حمولته الثمينة للمستشفى ثم ولى هاربًا”.
طبعًا ما حدث بعد هذا جدير بأن يكتب في الأدب العالمي .. الركاب بينهم المعلمة والموظف والمحاسب والتاجر يؤكدون للممرضين والأطباء أنهم عقلاء، وأن خدعة قاسية جاءت بهم هنا، لكن محاولتهم هذه هي بالضبط استعراض للجنون في نظر طاقم المستشفى وعلى أعلى طراز ..
استغرق الأمر أسبوعًا حتى عرف الجميع الحقيقة، وقد تم تقديم فيلم سينمائي كوميدي عن هذه القصة، ويقول الكاتب عنها: لعل أصعب شيء في العالم أن تثبت أنك عاقل عندما يفترض الآخرون أنك مجنون ..
العقل والجنون
منذ السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024 تاريخ سريان قرار وقف الحرب وحتى اللحظة، لم يتوقّف العدو الإسرائيلي عن اعتداءاته على لبنان وجعل من سمائنا مسرحًا لطائراته الحربية ومسيراته من الجنوب إلى الضاحية وصولًا إلى أبعد نقطة في البقاع الشمالي، ولم يتوقّف عن استهدافاته للقيادات العسكرية لـ “حزب الله” بل وأحيانًا “الفعاليات المدنية”، وحتى اللحظة أيضًا “حزب الله” يصمت وكأن على رأسه الطير .
لايزال “حزب الله” يعتقد أن “المقاومة” هي السبيل الوحيد لردع العدوان رغم أنه لم يُحرك ساكنًا أمام كل الاستهدافات التي طاولته، ولايزال يُجاهر بـ “غطرسة” أن سلاحه باقٍ رغم أنف اللبنانيين كافة، والحقيقة المطلقة أن الحزب مني بـ “هزيمة” كبرى لكن يمارس سياسة الإنكار والإستكبار، رغم أنه رضخ “مكرهًا” لخروجه “عسكريًا” من جنوب الليطاني، ويصرّ مستكبرًا على البقاء شمال الليطاني .
يُدرك “حزب الله” أنه من السهل جدًا ممارسة “الجنون”، وما يفعله اليوم في التعاطي مع القرارات الرسمية فيما يتعلّق بمسألة سلاحه هو محاولة إقناعنا بهذا الجنون، مايزيد عن 500 شهيد واعتداءات يومية من العدو ويريد أن يجعلنا نبصم تصديقًا أنه قادر على ردع العدوان، بينما جلّ ما يفعله هو محاولة جعل “بيئته” تنام على حرير وعوده بأن استعادة القدرات تسير على قدم وساق، وهذا الأمر بالذات يعطي العدو الذريعة لتفعيل آلات القتل والتدمير .
أعباء السلاح
قبل سنوات قال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الأسبق وليد جنبلاط، “سيأتي زمان ترتفع فيه كلفة السلاح، صيانته وتخزينه والاعتناء به كي لا يصدأ لاسيما عندما يفقد دوره”، وها نحن اليوم ومع إصرار حزب الله على الإبقاء على منظومته العسكرية شمال الليطاني أي في كل منطقة لبنانية بوسعه التغلغل فيها، يصبح السؤال الأساس مطروحًا بقوة، إن كان السلاح قد فقد مبررات وجوده، فما هي الحاجة له غير الإبقاء عليه جاثمًا فوق صدور اللبنانيين ؟.
مع تهاوي أركان “المحور” الذي لطالما تغنّى “حزب الله” بالانتماء إليه، ومع تضعضع رأس هذا المحور نتيجة الاحتجاجات الكبيرة التي تشهدها إيران حاليًا، تحوّل السلاح إلى “مأزق” كبير للحزب، فهو يُدرك تمامًا أن وظيفته اليوم “داخلية” وحسب، للحفاظ على جملة كبيرة من المكاسب التي حققها نتيجة سطوته وفائض القوة التي قابل بها اللبنانيين منذ العام 2000 وحتى اليوم، ويُدرك تمامًا أن الرد العسكري على الاعتداءات المتواصلة صار خيارًا غير متاح أصلًا، لكنه يواجه اللبنانيين بـ “الجنون” لأننا صرنا عاجزين أن نقنع قيادته بـ “التعقل” ..
الاعتراف بالهزيمة
قبل أيام رأيت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورة من الجو تجمع نقيضين مؤلمين، بلدة “كفركلا” ومستعمرة “المطلة”، المستعمرة منارة بالكامل وبيوتها قائمة كما هي، بينما كفركلا مدمرة عن بكرة أبيها ومهجورة من كل أنواع الحياة، صورة كفيلة بأن تُعلن “هزيمة حزب الله” مهما حاول إخفاء هذه الحقيقة، وعليه التسليم بالكامل أن “المخرج” اللائق الوحيد المتاح أمامه هو بسط الدولة سيادتها على كل التراب اللبناني، لذلك يعمل على التلويح دائمًا بالإبقاء على السلاح سعيًا لتحقيق مكاسب في أماكن أخرى داخل التركيبة اللبنانية .
“الهزيمة” وقعت !!، وما عادت الخطابات الرنانة والتصاريح الفوقية والتلويح بالحرب الأهلية وهز العصا على الجميع تحقق مرادها، الدولة وحدها بوسعها استعادة البريق من خلال إعادة الاعمار رغم أن ذلك لن يمحو آثار الهزيمة، ووحدها الدولة بوسعها رفع الاحتلال القائم على أجزاء من أرضنا، وبوسعها أن تعيد “كفركلا” إلى الحياة من جديد، فهل يقر الحزب بـ “الهزيمة” أم سنبقى نقول “على من تقرأ مزاميرك يا داوود” ؟..
