
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
سأرتدي رداء الفيلسوف القرطبي”سينيكا الرواقي” ، وأمسك بريشة السخرية المغموسة بمرارة الواقع، لأخطّ هذا المقال.
يا لوسيليوس(صديق سينيكا و تلميذه)، هل تظن أن القيود هي فقط تلك التي تُوضع في المعاصم؟ إن أشد القيود هي تلك التي يصنعها المرء لنفسه حين يصدق أن “الضجيج” هو “حوار”، وأن “المناظرة” هي طريق للنجاة في بلد قرر قادته أن يغرقوا السفينة ليتناظروا حول من يملك حق قيادة الحطام. لقد وصلتني أخبار “الملحمة الكبرى” في أرض الأرز، تلك التي يطلب فيها “باسيل” مواجهة “جعجع”، فرأيت فيها فصلاً من فصول مسرحية “اللامعقول”، حيث الممثلون يطلبون التصفيق والجمهور يطلب الرغيف.
يقولون يا لوسيليوس إن “المناظرة” هي ضالة الحق. لكن في لبنان، الطلب بحد ذاته هو “فعل درامي”. حين يطلب جبران باسيل مناظرة سمير جعجع، هو لا يطلب المعرفة، بل يطلب “المرآة”. هو يدرك أن وجوده السياسي يتغذى على وجود خصمه. إنهما كقبيلي “جرير والفرزدق”؛ لا قيمة لهجاء أحدهما إذا صمت الآخر.
في الدول التي تضع العقل تاجاً، كأمريكا أو فرنسا، تكون المناظرة “مختبراً للبرامج”. أما هنا، فهي “حلبة للديكة”. هل رأيت ديكاً يوماً يقنع ديكاً آخر بأن يتنازل عن خمّه؟ بالطبع لا. إنهما يتناقران حتى يسقط أحدهما، أو حتى يمل المشاهدون. طلب المناظرة هنا هو “مغالطة منطقية” مغلفة ببطولة زائفة؛ فالطالب يعلم أن المطلوب منه لن يأتي، والمطلوب منه يعلم أن الطالب يريد “فخاً”.
يخبرنا التاريخ أن المناظرات تزيد الناخب معرفة. يا للخراب! في لبنان، المناظرة تزيد الناخب “حقداً”. التأثير المعرفي الوحيد في “الملحمة الكبرى” هو أن يكتشف المناصر أن زعيمه لا يزال يملك مخزوناً كافياً من الشتائم المنمقة.
نحن أمام “علم نفس سياسي” فريد؛ فالجمهور لا يريد أن يعرف “كيف ستؤمن الكهرباء؟”، بل يريد أن يعرف “كيف ستمسح بكرامة الخصم الأرض؟”. المعرفة هنا ليست أرقاماً، بل هي “قدرة الزعيم على الصمود”. إنها عملية “شد عصب” هوياتي، حيث يصبح السياسي “شاماناً” يطرد أرواح الخصوم الشريرة بكلمات سحرية مثل “حقوق المسيحيين” أو “السيادة”.
يا لوسيليوس، يُحكى أن العرب قديماً وضعوا ميثاقاً للمناظرة لو طُبّق اليوم في “ساحة النجمة” أو في “أستوديوهات الرداءة”، لسقطت تيجان وهبطت أصنام. كانوا يقولون: “ألا تغضب”، ولكن في لبنان، الغضب هو “رأس المال” الوحيد؛ فالسياسي الذي لا يصرخ لا يُسمع، والذي لا “يشغب” لا يُحترم. لقد استبدلوا “حجة العقل” بـ “عضلات الحنجرة”، وظنوا أن الحق لمن يملك “راديو” أعلى صوتاً.
تأمل معي هذا الهذيان: قديماً كانت المناظرة تقف عند حدود “ألا تجعل الدعوى دليلاً”؛ أي لا تقل “أنا شريف” لتدلل على نزاهتك، بل هاتِ برهانك. أما في “الملحمة اللبنانية”،فالدعوى هي ‘الوحي السياسي’ والبرهان هو ‘الرجم بالكلمات”. يقول لك أحدهم: “نحن حمينا حقوقكم”، وحين تسأل عن الدليل، يشير إلى خصمه قائلاً: “انظروا إليه، إنه أبشع مني!”. هذه ليست مناظرة يا صديقي، هذه “مفاضلة بين قبحين”.
أما عن جرير والفرزدق، فواعجباً! لقد كان هجاؤهما فناً يُدرّس، أما “هجاء” باسيل وجعجع فهو “تلوث سمعي”. إنهم يمارسون “النقائض” بلا وزن ولا قافية؛ جرير اللبناني يهجو الفرزدق اللبناني عبر “إكس”، والجمهور يصفق لـ “السُم” المنبعث من الكلمات، لا لـ “السحر” الكامن في المعنى. المناظرة في العصر العباسي كانت تولد “معتزلة” و”فقهاء”، أما مناظرة لبنان فتولد “جلادين إلكترونيين” و”يائسين جدداً”.
لقد ضاع “القدر” بين عمر وأبي عبيدة في ثنايا التقوى، وضاع “القدر” في لبنان في ثنايا “المحاصصة”. هم لا يتناظرون ليعرفوا كيف ينجو الناس من الطاعون، بل يتناظرون ليعرفوا مَن سيحكم “المقبرة” بعد أن يقضي الطاعون على الجميع.
يا لوسيليوس، لكي تدرك حجم الفاجعة، عليك أن تتأمل ما جرى في إحدى السهرات السياسية المطوّلة في صيف 2022، ضمن برنامج صار الوقت على MTV حين اجتمع المتناظرون في “وليمة تقنية” فوق جثة الكهرباء الهامدة. كانت لحظة سريالية تفوق خيال “نيرون” وهو يرى روما تحترق؛ حيث تقدمت ندى بستاني وهي مدججة بخرائط “سلعاتا” وجداول الأرقام، يقابلها فادي كرم وريشار قيومجيان وهما يشهران سيوف “المحاسبة” ووثائق “الهدر”.
كان المشهد عبثياً بامتياز؛ أوراق تُرفع أمام الكاميرات، أرقام تتطاير كالنبال، واتهامات متبادلة حول “من سرق ضوء اللبنانيين”. لقد تبارزوا بـ “الفولتات” وناقشوا جودة “الفيول” لعدة ساعات، بينما كان المواطن المسكين يراقب هذه المصارعة عبر هاتفه المحمول، وقد انقطع نَفَسُ “مولد الحي” من شدة الحر.
هذا هو جوهر العبث الرواقي في نسخته اللبنانية: أن يتجادل حكيمان (أو هكذا يظنان) حول “درجة حرارة الضوء” ولون المصباح، في غرفة ليس فيها سلكٌ واحد يصله بالتيار! لقد انتهت تلك الموقعة بانتصار “الضجيج”؛ حيث خرج جمهور ندى ليحتفل بـ “دقتها”، وجمهور فادي ليفتخر بـ “جرأته”، بينما بقيت البيوت غارقة في عتمة حالكة، لم تُبددها كل شموع البلاغة التي أُحرقت في ذاك الأستوديو.
واليوم، في 2026، يطلب باسيل “مناظرة شاملة” مستعيداً أمجاد تموز، فيرد جعجع بأنها “مش حرزانة”. وآهٍ يا لوسيليوس، كم هي صادقة هذه الكلمات في قبحها! كلاهما محق بطريقته:
هي “مش حرزانة” لأن الحقيقة عارية كشمس الصيف، ولا تحتاج لمستندات بستاني أو وثائق كرم لتثبت أن العتمة هي “الإنجاز” الوحيد المشترك.
وهي “شاملة” لأن الفشل قد شمل كل زاوية في ذاك الوطن المنكوب، ولم يترك شبراً إلا ووسمه بختم الخيبة.
إنهم يتناظرون يا صديقي في “مختبر كيميائي” انفجر منذ سنوات وتطايرت أشلاؤه، ومع ذلك، لا يزالون يقفون فوق الحطام، يحملون أنابيب اختبار فارغة، ويحاولون إقناع اليتامى والمشردين بأنهم يملكون “تركيبة الخلاص” السحرية.
يا لوسيليوس، إن ما تراه ليس صراعاً على المبادئ، بل هو استعراض لـ “الأنا” السياسية المتضخمة التي تسعى لإلغاء أي خيار ثالث. إن المناظرة بين القوات والتيار ليست إلا “إعلاناً تجارياً” ضخماً، مدفوع الثمن من أعصاب الناس ودمائهم. والهدف؟ إيهام اللبناني بأنه لا يوجد في هذا الكون سوى “سمير” و”جبران”؛ فإذا لم تختر “بيبسي” القوات، فأنت مرغم على تجرّع “كوكا كولا” التيار. ولكن، أين “الماء الزلال” يا صديقي؟ أين “الدولة”؟ أين “القانون”؟ هؤلاء هم الغرباء الذين لا مكان لهم في “أستوديو” المحاصصة.
ولكي تدرك عقم هذه الطلبات، انظر إلى ما جرى في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. حينها، وتحت عنوان “لبنان يقرر”، نُظم ما سُمّي إعلاميًا بمناظرة الـ 99 ثانية” تجربة متلفزة اعتُبرت حينها تجربة جديدة في إدارة النقاش الرئاسي” بإدارة الإعلامي ألبير كوستنيان. لقد كان مشهداً يثير الشفقة؛ حيث حشروا مستقبل أمة في زنزانة زمنية لا تتجاوز 99 ثانية لكل إجابة! وقف هناك “وكلاء الأباطرة”: ملحم رياشي وسيزار أبي خليل، ومعهم الطامحون ميشال معوض، مارك ضو، ونعمة افرام، يتسابقون مع عدادٍ لعين. تخيل يا لوسيليوس، يطلبون من مرشح أن يشرح “خطة إنقاذ” لبلدٍ منهوب في وقتٍ لا يكفي لربط الحذاء! هل يُبنى وطن بـ “تيك توك سياسي”؟ إنها مدة لا تكفي حتى لتقديم اعتذار عن الخراب، فكيف برسم مستقبل أمة؟
وها هو المشهد يتكرر اليوم بعبثية أكبر؛ فحين كتب باسيل على منصة “إكس” طالباً المواجهة، لم يكن يخاطب عقل خصمه، بل كان يغازل “الخوارزمية” طلباً للتفاعل. وحين رد عليه جعجع بلقب “رئيس جامعة الاحتيال”، لم يكن يمارس سياسة، بل كان يغرق في “الكوميديا السوداء”.
هذه هي “الملحمة” يا صديقي: صراعٌ محموم على لقب “الأقوى” في بلدٍ بات هو “الأضعف”. إنهم يهربون من القواعد الواضحة والأسئلة المحددة، ويفرّون من “جمهور يملك حق المحاسبة” ليرتموا في أحضان “جمهور لا يجيد سوى التصفيق”.
يا لوسيليوس، لتعلم في نهاية المطاف أن الحوار في تلك البقعة من الأرض ليس طريقاً للحقيقة، بل هو “ستار دخاني” كثيف. إن المناظرات التي ترسخت في دساتير أمريكا وفرنسا قامت لكي تحترم “عقل المواطن”، أما المناظرات التي تُطلب في لبنان، فهي لا تهدف إلا لـ “احتقار ذاكرته”.
إنهم يطلبون المناظرة لكي يتجنبوا المحاكمة، ويتحدثون عن “الشفافية” ليداروا عورات “الفساد”، ويتشاجرون بضجيج أمام الكاميرات، لكي يتصالحوا بهدوء خلفها على “حصص الجبنة”.
إن “الملحمة الكبرى” الحقيقية يا صديقي ليست تلك التي تدور بين باسيل وجعجع، بل هي الملحمة القائمة بين “اللبناني وعقله”. والسؤال هنا: هل سيستمر هذا الإنسان في مشاهدة هذه “المسرحية الدائرية” التي لا تنتهي؟ أم سيقرر أخيراً كسر شاشة التلفاز والخروج إلى نور “الحقيقة”؟ تلك الحقيقة التي لا تحتاج إلى أستوديو مبهر، ولا إلى ميزانية إعلانية، ولا إلى عداد ثوانٍ لعين.
يا لوسيليوس، إذا رأيتهم يهرعون إلى المناظرة، فاعلم أنهم قد “اتفقوا على ألا يتفقوا”، فقط ليبقى الوضع على ما هو عليه. فالمناظرة في لبنان هي “أوكسجين النظام”؛ وبدون هذا الضجيج المفتعل، سيكتشف الناس فجأة الحقيقة المرة: أن الكراسي خشبية متهالكة، وأن الزعماء مجرد بشر فاشلين سقطوا في اختبار الحكمة، وأن الوطن قد ضاع وهم لا يزالون يبحثون عمّن “غلب في الكلام”.
فلتكن رواقياً يا لوسيليوس، وترفّع عن هذا العبث؛ لا تشاهد المناظرة.. بل شاهد من يدفع ثمنها!
